تحت وطأة الرصاص.. أرباح تُشرق كالفجر: "يمن موبايل" تمنح مساهميها 42٪ وتُثبت أن الحياة تُبنى من تحت الركام

 


---





صنعاء – هلال محمد جزيلان 775036841


في زمنٍ تلبس فيه الأوطان ثوب الحديد، وتُحصي المدن أنفاسها تحت سقف الرصاص، يحدث أن تُشرق شمس من حيث لا يتوقع اليائسون. صباحٌ لم يكن ككل الصباحات في العاصمة صنعاء، حيث انعقدت الجمعية العمومية لشركة "يمن موبايل"، لا لمجرد إجراء روتيني، بل لكتابة فصلٍ جديد في سفر الصمود اليمني، فصل تُكتب حروفه الأولى بالذهب، وتُقرأ أرقامه بالدموع.


وقف الحضور، يتقدمهم وزير الاتصالات وتقنية المعلومات المهندس محمد المهدي، والقائم بأعمال وزير الاقتصاد والصناعة والاستثمار سام البشيري، وكأنهم في محراب الأمل. لم يكونوا يعلنون عن مجرد رقم في كشف حساب، بل كانوا يُعلنون أن اليمن، رغم جراحه الغائرة، ما زال قادرًا على أن يُثمر، وأن يُعطي، وأن يُوزع أرباح الحياة على أبنائه.


ثم خرج الرقم.. ليس كأي رقم: 42 بالمائة، بواقع 210 ريال للسهم الواحد. لم يكن هذا إعلانًا ماليًا جافًا، بل كان بيانًا سياسيًا بلسان الاقتصاد، رسالةً إلى كل من راهن على انهيار هذا البلد، أن في اليمن من يصنع من الرماد ذهبًا، ومن اليأس رجاءً.


المهدي: من تحت الخوذة.. نزرع الأثير


تقدم المهندس محمد المهدي، وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، ليتكلم. لم يكن خطابه خطاب الموظف الرسمي الذي يحصي إنجازات وزارته، بل كان خطاب القائد الذي يروي حكاية جيشٍ من المهندسين والفنيين يخوضون معركتهم اليومية لا بالرصاص، بل بالإشارات والترددات والأبراج التي تُقام حيث لا يُتصور أن يُقام برج.


قال المهدي، وصوته يحمل ثقل المسؤولية: "نحن نُثمن جهود شركة يمن موبايل في الارتقاء بخدماتها المقدمة للمواطنين، وقدرتها التنافسية المتنامية في سوق الاتصالات، رغم الأعباء التي تتحمّلها جراء الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد." كان يقصد بالظروف الصعبة ما يعرفه كل يمني؛ حربًا تُلقي بظلالها على كل شيء، طرقًا مقطوعة، وقودًا شحيحًا، كهرباء متقطعة، ومع ذلك تنتصب الأبراج شامخة لتصل اليمني بأخيه، وتصل اليمن بالعالم.


وأكد الوزير المهدي، في كلمة حملت من العزم ما حملت، حرص الشركة على "تحقيق تطلعات المساهمين، وقدرتها على حضورها الفاعل وأداء مسؤولياتها الوطنية في كافة الظروف". ولم تكن كلمة "المسؤولية الوطنية" هنا منمقة، بل كانت اعترافًا ضمنيًا بأن يمن موبايل لم تتخلَّ عن دورها حين تخلى كثيرون، وبقيت تُشغّل شبكاتها في عز العواصف.


ثم أردف المهدي، وهو يُحدق في عيون الحاضرين: "إن حرص قيادة الوزارة على دعم قطاع الاتصالات يأتي من منطلق المسؤولية والدور الوطني، مهما عظمت التحديات والتضحيات، وتعزيز خيار الصمود والعمل والبناء لتحقيق النتائج الملموسة." هنا، تسقط الأقنعة عن كلمة "الصمود"؛ فالصمود هنا ليس شعارًا، بل هو أن تُبقي على نبض الاتصالات حيًا في جسد أمة تنزف.


ومضى الوزير ليكشف عن فلسفة أعمق، حين قال: "إن وزارة الاتصالات تعمل على دعم الجهود التي تسهم في التحديث والتطوير والتوسع، ومساندة القطاع الخاص بكل ما يعينهم على تطوير خدماتهم ومواكبتهم لاحتياجات السوق، والذي ينعكس على الاقتصاد الوطني والمواطن بشكل إيجابي." وفي هذا الاعتراف بدور القطاع الخاص، ما يشبه إعلان دستور اقتصادي جديد، يقوم على الشراكة لا الوصاية، وعلى التمكين لا التبعية.


ثم كشف المهدي عن البوصلة السياسية التي توجه هذه الجهود، حين لفت إلى أن "السياسات التي انتهجتها الوزارة خلال المراحل الماضية تترجم توجهات القيادة وبرنامج حكومة التغيير والبناء، والشراكة الفاعلة مع القطاع الخاص، خاصة الشركات المشغلة لخدمات الهاتف النقال، والتسهيلات المقدمة لهم، والتي كان لها الأثر البالغ في الحفاظ على خدمات قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات." هكذا، وبكل وضوح، ربط المهدي بين نجاح "يمن موبايل" ورؤية دولة بأكملها، مما يجعل هذه الأرباح ليست أرباح مساهمين فحسب، بل أرباح وطن.


البشيري: حين تُصبح شركة وطنًا


من جانبه، كان صوت سام البشيري، القائم بأعمال وزير الاقتصاد والصناعة والاستثمار، يُكمل السيمفونية. نظر إلى القاعة، فرأى وجوهًا تعرف معنى أن تستثمر في زمن الحرب، فقال كلمته التي نزلت بردًا وسلامًا على قلوب الحاضرين: "شركة يمن موبايل من الشركات المساهمة والرائدة في البلاد." جملة قصيرة، لكنها في سياق يمني تعني أن هناك من ما زال يُقيم وزنًا للقانون، وللشفافية، ولحق المساهمين في الربح.


ثم تمنى البشيري، بصوت المقتنع لا المتمني فحسب، "أن تحذو شركات الهاتف النقال حذو شركة يمن موبايل في مجالات التطوير الفني والإداري والتحديث والحوكمة." كان هذا اعترافًا بأن يمن موبايل صارت مدرسة، تُدرّس غيرها كيف تُدار الشركات في زمن الأزمات. وأكد البشيري، بما يشبه التتويج، أن "يمن موبايل أصبحت أنموذجًا في قطاع الاتصالات، يحقق مع كل عام مكانة متقدمة وتناميًا يستحق التقدير."


الحسام: 14 مليون مشترك.. أمة تتنفس عبر الأثير


في الفعالية التي حضرها وكيل وزارة الاتصالات للشؤون المالية والإدارية أحمد المتوكل، والمدير التنفيذي للمؤسسة العامة للاتصالات المهندس صادق مصلح، اعتلى المنصة رجل المهمة الصعبة، رئيس مجلس إدارة شركة يمن موبايل، عبدالخالق الحسام. كان يحمل في يده أرقامًا، لكنها لم تكن مجرد أرقام، كانت حكاية عام كامل من العمل في ظل الخطر، والوصول إلى كل مشترك وكأنه مهمة عسكرية.


أعلن الحسام، بصوت جهوري كأنه يُعلن تحرير مدينة، عن أرباح العام الماضي التي ستوزعها الشركة على مساهميها بواقع 42 بالمائة. كان الرقم يرن في القاعة كالذهب الخالص. لكن الحسام كان يُخبئ رقمًا آخر، أكثر دهشة، حين أعلن أن "عدد المشتركين في خدمات الشركة وصل هذا العام إلى 14 مليون مشترك." أربعة عشر مليون إنسان يمني، يضعون ثقتهم في هذه الشركة. هذا الرقم ليس إحصائية سكانية، بل هو استفتاء شعبي على جودة الخدمة، وهو في الوقت نفسه شهادة ميلاد لشركة تحولت إلى جزء من نسيج الحياة اليومية للأسرة اليمنية.


وشرح الحسام خارطة الطريق التي أوصلت إلى هذا النجاح، قائلًا: "الشركة خلال العام السابق عملت على التوسع في نشر شبكة الجيل الرابع، بالتوازي مع تطوير الشبكة القائمة، لتعزيز كفاءتها بما يلبي الطلب المتزايد ويخدم المشتركين." هنا كان الحسام يُجسد فلسفة "يمن موبايل"؛ أن تبني للمستقبل دون أن تهدم الماضي، أن تطلق الجيل الرابع دون أن تنسى من ما زالوا على الشبكات القديمة، وهذا هو بالضبط ما تعنيه "الشراكة الفاعلة مع المواطن".


ثم فتح الحسام نافذة على غرفة القيادة، حين كشف أن العمل يجري "وفق إستراتيجية الشركة ومستقبلها، من خلال دعم الحوكمة وترتيب الأولويات وتوضيح الأدوار ومساندة الإدارة التنفيذية في أداء مسؤولياتها." كلمات قد تبدو إدارية للوهلة الأولى، لكنها في العمق تعني أن "يمن موبايل" لم تحقق أرباحها بالصدفة، بل بنظام صارم، وحوكمة شفافة، ورؤية بعيدة المدى، في بلد تعصف به العشوائيات من كل جانب.


ولم يقف الحسام عند حدود الأرباح والشبكات، بل غاص في رأس المال البشري، حين بين أن "الشركة تعمل على التحول الرقمي، وتطوير الأنظمة والتطبيقات، وقنوات الخدمة الرقمية، والاهتمام بتنمية الكفاءات البشرية من خلال التدريب، وتوسيع فرص التعليم، وتحسين بيئة العمل." هنا تكتمل الصورة: شركة لا تبني الأبراج فقط، بل تبني الإنسان الذي يُشغل الأبراج، ويُدير الشبكات، ويبتكر الحلول.


هزاع: هندسة المستحيل


ثم جاء دور الرجل الذي يُدير غرفة العمليات اليومية لهذا الكيان العملاق، المدير التنفيذي لشركة يمن موبايل، المهندس عامر هزاع. كان صوته صوت التقني الذي يعشق التفاصيل، والذي يجد في كل مشكلة تحديًا، وفي كل تحدٍ فرصة. قال هزاع: "الشركة عملت على التطوير الفني والحفاظ على استقرار التشغيل، في بيئة فنية تُدير فيها الشركة شبكتين: CDMA القائمة، وشبكة الجيل الرابع التي تتوسع وتتطور بصورة مستمرة، ما يضاعف المسؤولية التشغيلية، التي لا تقتصر على تطوير بيئة حديثة، بل تمتد للحفاظ على كفاءة بيئة قائمة تخدم شريحة واسعة من المشتركين." في هذه الجملة تلخيص لمعركة يومية: إدارة شبكتين بالتوازي، واحدة تراثية وأخرى مستقبلية، دون أن تنهار إحداهما، ودون أن تُهمل الأخرى.


وكشف هزاع عن إحدى جواهر التطوير التقني، حين أشار إلى أن "التحديث التقني مثّل أيضًا في تقنية VOLTE مسارًا مهمًا في مشروع التطوير خلال العام، بوصفها جزءًا من توجه أوسع لتحسين جودة الاتصالات الصوتية، وتعزيز كفاءة البيئة الفنية الداعمة للخدمة." إنها التفاصيل التي لا يراها المشترك العادي، لكنه يشعر بها في وضوح الصوت، وفي انقطاع التقطيع، وفي مكالمة حب تُجرى من صنعاء إلى تعز دون أن يخدش جمالها تشويش.


الختام: قانون يُعلن انتصار الشفافية


وفي ختام الاجتماع، تقدم مندوب وزارة الاقتصاد والصناعة، ليُعلن ما يُشبه صلاة الختام في محراب القانون: اكتمال النصاب لكبار المساهمين في الشركة، والموافقة على توزيع الأرباح المقترحة من مجلس الإدارة وفقًا للقانون. في هذا الإعلان الإجرائي، يكمن انتصار آخر؛ انتصار القانون على الفوضى، وانتصار الشفافية على العتمة، وانتصار المؤسسات على الاجتهادات الفردية.


---



اليوم، "يمن موبايل" لم تعلن عن أرباح فقط، بل أعلنت أن الاستثمار في اليمن ليس رهانًا خاسرًا، وأن الشفافية ليست رفاهية، وأن بناء الإنسان أهم من بناء الأبراج. إنها رسالة إلى كل متردد، وإلى كل متشائم، وإلى كل من غادر: في اليمن ما يستحق الحياة، وما يستحق الاستثمار، وما يستحق التفاؤل.

إرسال تعليق

أحدث أقدم