بصمة الجينات اليمنية: عندما يتحدى العلم الفقر والحصار في صنعاء

  




كتب: هلال جزيلان- تصوير: صالح العرامي

صنعاء – 8 أبريل 2026

في قاعةٍ تزينتها أضواء المعرفة وعلقَت على جدرانها لوحات الحمض النووي كأنها خرائط لأسرار الحياة، انطلقت صباح اليوم في العاصمة صنعاء ملحمة علمية من نوع خاص ليست ملحمة حرب، بل ملحمة عقل ليست معركة بالرصاص، بل معركة بالميكروسكوب ووحدات البلمرة.

إنه المؤتمر العلمي الأول لكلية الطب المخبري، والمؤتمر الثاني عشر لجامعة 21 سبتمبر للعلوم الطبية والتطبيقية، الذي حمل شعارًا ليس مجرد كلمات عابرة: "التقنيات الجزيئية الحديثة في الطب المخبري" — شعار يختزل حلم أمة تبحث عن تشخيص دقيق لعلاج دقيق.

حين يتحدث السياسي بلسان الطبيب

لم يكن الافتتاح احتفاليًا بالورود والقصاصات، بل كان وقورًا برهبة المختبرات وقف عبد السلام هشول، نائب رئيس مجلس النواب، ليوجه كلمة لم تخلُ من دراما إنسانية صارخة قال بصوت يعلوه التأثر:

"لو كان لدينا ثقافة صحية وفحوصات دورية، لتفادينا الكثير من الخسائر البشرية التي تحدث نتيجة الوفيات والجلطات المفاجئة."

هشول، الذي بدا كأنه يتحدث من قلب معاناة يومية، فضح "كذبة السفر للخارج" التي يظنها الكثيرون حلاً كشف أن كثيرًا من المسافرين عادوا ليكتشفوا أن الأخطاء التشخيصية حدثت هنا، في مختبرات محلية، قبل أن يركبوا الطائرة ثم وجه رسالة قاسية: المختبر الطبي هو أساس الطب فالتشخيص السليم طريق للعلاج الناجح، والخطأ التشخيصي طريق للكوارث والوفيات.

وفي لفتة حملت نكهة التحدي، أشاد هشول بمختبرات العولقي التخصصية، التي وصفها بـ"الرائدة في الطب التشخيصي في اليمن منذ أوائل التسعينيات" وكأنه يريد أن يقول: "نعم، نحن قادرون على أن نكون الأفضل، إذا أردنا."

وزير الصحة: "عمولات المختبرات مجرمة"

ثم جاء دور رجل الخط الأول في مواجهة الوباء والألم: الدكتور علي شيبان، وزير الصحة والبيئة لم يأتِ ليلقي كلمات منمقة، بل جاء بملف ساخن تحدث عن "الطفرة التكنولوجية في الطب التشخيصي"، وعن ضرورة ألا تكون الفحوصات شاملة عبثية، بل دقيقة حسب احتياج المريض.

لكن اللحظة الأكثر دراماتيكية كانت حين تناول قضية شائكة ومؤلمة: عمولات المختبرات والصيدليات والأشعة التي تدفع للأطباء.

هتف شيبان بصوت جازم:

"هذه النسب مجرمة في القانون الذي نراجعه بصيغته النهائية لا يجوز أخلاقيًا ولا عرفيًا ولا إنسانيًا."

ودعا المختبرات إلى إعادة هذه النسب لصالح المرضى كلمات كأنها صاعق كهربائي مر في جسد المنظومة الطبية، وسط تصفيق حار من الحضور.

وزير الصحة لم يخفِ فخره بما تحقق، مشيرًا إلى أن المختبرات اليمنية شهدت خلال العشر سنوات الأخيرة "تطورات ونقلات نوعية" قلصت من السفر للخارج، باستثناء فحوصات نادرة لا توجد لها أجهزة في اليمن وكأنه يضع يده على الجرح المفتوح: الحصار والعجز، لكن مع إصرار على النهوض.

الجامعة التي لا تعرف المستحيل

على منصة المؤتمر، وقف الدكتور مجاهد معصار، رئيس جامعة 21 سبتمبر ورئيس المؤتمر، ليؤكد أن جامعته التي تحمل تاريخًا في العطاء رغم الظروف، تفتح اليوم نافذتها الثانية عشرة على العالم مؤتمر تلو آخر، في الطب وفي التطبيقات العلمية.

قال معصار، ونبرته تحمل فخر المربي:

"الفحص هو مفتاح التشخيص، والتشخيص هو صحة العلاج."

وكشف عن حضور دولي لافت: باحثون وأكاديميون من اليمن، العراق، السعودية، مصر، باكستان، فنلندا، ألمانيا، بريطانيا، وأمريكا ثماني دول، وخبراء من فنلندا وألمانيا! في قلب صنعاء المحاصرة، يعقد مؤتمر بحجم عالمي هذه ليست مصادفة، بل رسالة.

الرقم 40: حين يتحدث الحمض النووي

لكن جوهر الحدث كان في الأوراق العلمية 40 ورقة ومحاضرة، ستعرض على مدى يومين، وتناقش أحدث ما توصلت إليه التقنيات الجزيئية الدكتورة ابتسام الزبيدي، عميدة كلية الطب المخبري ونائب رئيس المؤتمر، شرحت بلغة العالمين: نحن نتحدث عن تقنيات مثل تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR)، وتسلسل الحمض النووي، والتشخيص الجيني قبل الولادة، وعلم المناعة الجزيئي.

وصفت هذه التقنيات بأنها "أدوات أساسية لا غنى عنها في المختبرات الحديثة، لما توفره من دقة عالية وسرعة في التشخيص، ما ينعكس على جودة الرعاية الصحية وسلامة المرضى".

تخيل معي: جهاز تسلسل الحمض النووي، الذي كان حكرًا على مراكز بحثية كبرى في جنيف أو بوسطن، أصبح يُناقش في قاعات صنعاء هذا هو الخبر الحقيقي.

الشراكة التي تروي العطش

لا يمكن الحديث عن هذا المؤتمر دون ذكر مختبرات العولقي التخصصية، الشريك الرسمي للجامعة لطالما كانت هذه المختبرات علامة فارقة في التشخيص المخبري في اليمن الدكتور سامي الدبعي، أمين عام المؤتمر، أكد أن هذه الشراكة الإستراتيجية هي نموذج يحتذى به للتعاون بين القطاعين الأكاديمي والخاص.

الرسالة هنا: اليمن لا يزال قادرًا على الإبداع حين تتحد العقول والإمكانات.

المعرض: متحف المستقبل

في ختام الجولة الافتتاحية، تجول الحضور - الذي بلغ 800 مشارك بين باحث ومختص وطالب من مختلف المحافظات وبعض الدول العربية والأجنبية - في المعرض المصاحب وهناك، رأوا بأعينهم أحدث الأجهزة والتقنيات المخبرية أجهزة كانت حتى الأمس القريب مجرد صور في مجلات علمية، أصبحت اليوم معروضة بأيدي يمنية قادرة على تشغيلها وصيانتها.

نائب وزير التربية والتعليم والبحث العلمي الدكتور حاتم الدعيس، لم يخفِ إعجابه. قال:

"هذا المؤتمر هو الأول من نوعه في التقنيات الجزيئية على مستوى اليمن، ويعكس اهتمامًا متزايدًا بهذا التخصص الحيوي."

وشدد على أن القطاع الطبي لم يأخذ حقه من الاهتمام لظروف مختلفة، داعيًا إلى شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، ليس فقط في الطب بل في الهندسة وتقنية المعلومات والإدارة.

على مقياس الأمل

بينما تغرب شمس اليوم الأول من المؤتمر، ويستعد المشاركون لجلسات الغد التي ستناقش تشخيص الأورام السرطانية والأمراض المعدية، يبقى سؤال واحد معلق في الهواء:

هل يقرأ العالم هذا الخبر؟

في بلد يعاني من حصار وصراع، تخرج نخبة علمية لتعقد مؤتمرًا دوليًا بحضور خبراء من أمريكا وألمانيا وبريطانيا، وتناقش أحدث تقنيات تسلسل الحمض النووي. هذا هو "الجيل العربي" الذي يكتب بصمته الجينية في سجل الحضارة، رغم كل شيء.

في مختبرات صنعاء، حيث يضيء الباحثون عتمة الجهل، يولد فجر جديد للطب اليمني فجر اسمه: الدقة، الشراكة، والتحدي.

 

إرسال تعليق

أحدث أقدم