136 ألف أسرة مستفيدة من زكاة الفطر في صنعاء

 




كتب: هلال جزيلان- تصوير: صالح العرامي

في زمنٍ تتزاحم فيه الأوجاع وتتكالب فيه المحن، تظل الزكاة ذلك الخيط النوراني الذي يربط القلوب بالسماء، ويمتد ليمسح دمعة يتيم، ويلملم جرح فقير، ويعيد للحياة بهاءها تحت وطأة الحصار والعدوان، وفي مدينة صنعاء التي تأبى إلا أن تكون حاضنة العطاء، أطلقت هيئة الزكاة بأمانة العاصمة مشروعها الإنساني الأضخم لهذا العام: توزيع زكاة الفطر والمساعدات النقدية على 136 ألف مستفيد، بإجمالي مبلغ يتجاوز مليارين وسبعمائة وعشرين مليون ريال، في لوحة إيمانية رائعة رسمتها أيادي المؤمنين.

 

في قلب العاصمة، حيث تشرق الرحمة

 

كانت القاعة ممتلئة بالوجوه، وجوه مسؤولين ومزكين، لكن خلف كل ورقة وكل حقيبة كانت هناك عيون تترقب، وقلوب تخفق بفرق بين الخوف والرجاء. في هذا المكان، وقف أمين العاصمة الدكتور حمود عباد، ليس كمسؤول فحسب، بل كرجل يدرك أن ما يحدث اليوم هو تجسيد حي لمعنى التكافل.

 

قال بصوت يملؤه الخشوع: "الزكاة من أعظم معالم الإسلام التي اقترنت بالصلاة في كل توجيهات الله تعالى، لأهميتها الكبرى كواجب تعبدي، كي لا يكون المال دولة بين الأغنياء، وأن يحقق درجة الكفاية بين المحتاجين والفقراء، رحمة من الله بعباده". كلماته كانت تتساقط كحبات المطر على أرض يابسة، تروي ظمأ المحتاجين.

 

لم ينس الدكتور عباد أن يشير إلى البوصلة التي توجه هذا العطاء، فرفع بصره نحو القيادة الثورية والسياسية، قائلاً: "إن ما نشهده اليوم هو ثمرة توجيهات القيادة التي حرصت على أن تسير الزكاة في مساراتها التي أرادها الله، لتبقى هذه الوحدة التي أرادها الله في القلوب والأرواح، وبمحققات الاحتياجات للأمة". وأضاف أن هذا المشروع ليس سوى "واحدة من عشرات ومئات المشاريع التي تتدفق بخيرات الله ورحمة المؤمنين على كل الفقراء والمساكين والمحتاجين".

 

شمسان أبو نشطان.. صوت الزكاة النابض

 

لم يكن حديث رئيس الهيئة العامة للزكاة، الشيخ شمسان أبو نشطان، كلمات عابرة، بل كان بمثابة وثيقة حية لتطور العمل الخيري وقف ليعلن للجميع أن الزكاة اليوم لم تعد مجرد مساعدات موسمية، بل مشروع متكامل يدار باحترافية.

 

بصوته الجهوري، قال: "مشروع زكاة الفطر والمساعدات النقدية الذي يصل خيره لـ136 ألف أسرة فقيرة في أمانة العاصمة، من أهم المشاريع التي أصبحت اليوم تصرف لا مركزيًا عبر مكاتب الهيئة بالمحافظات". كانت عبارة "لا مركزيًا" تعني الكثير، فهي تعني أن الخير أصبح يصل إلى أبعد نقطة، وأعمق حاجة.

 

ثم التفت إلى الحاضرين بنظرة أبوية حانية، مشيدًا بجهود أمانة العاصمة ومكتب الهيئة فيها، مؤكدًا أن الهدف الأسمى هو أن يكون "يوم العيد يوم فرح شامل، لا يشعر فيه الفقير والمسكين بالحرمان والحاجة كما أبناء الأغنياء وسائر المجتمع". لقد رسم بكلماته لوحة لعيدٍ يخلو من الحسرة، عيد تتساوى فيه الأيادي بالدعوات والقلوب بالفرح.

 

ولم ينس أبو نشطان أن يوجه رسالة واضحة لرجال المال والأعمال، دعاهم فيها إلى المبادرة، محذرًا في الوقت نفسه العاملين في الهيئة من التفريط، قائلاً: "لا عذر لأي أحد أمام الله في التقصير أو التفريط فيها، والذي سيكون خصمه الفقير والمسكين يوم القيامة". كلمات ثقيلة كالجبال، تذكر الجميع بالمسؤولية العظمى الملقاة على عواتقهم.

 

حين تتحول الأرقام إلى قصص إنسانية

 

مدير مكتب هيئة الزكاة بأمانة العاصمة، محمد العلفي، كان أقرب الناس إلى تفاصيل هذه الملحمة. وقف ليشرح ليس عن الأرقام، بل عن الروح التي تخلفها هذه المشاريع. قال: "ما نراه من مشاريع ملموسة هو ثمرة من ثمار ثورة الـ21 من سبتمبر، وبفضل المزكين الكرام بعد الله تعالى، الذين أسهموا بزكاتهم في قيام هذه المشاريع ووصول خير الزكاة إلى مستحقيها الحقيقيين".

 

لقد كان العلفي يرى في كل حقيبة مساعدات قصة عائلة ستفرح، وفي كل مبلغ نقدي بصيص أمل سيضيء زاوية مظلمة من زوايا هذه المدينة الصابرة. وأضاف موجهًا حديثه للتجار والميسورين: "الزكاة اليوم تصل إلى مستحقيها وفق آليات واضحة وشفافة تجسد روح التكافل والتراحم والخير في المجتمع". كأنه يقول لهم: اطمئنوا، فزكاتكم في أيد أمينة، وستصل إلى من يستحقها.

 

دمعة وابتسامة في بريد التحرير

 

لم تكن الفعالية مجرد خطابات وانتهى الأمر، بل كان هناك موعد مع لحظة الصدق الحقيقي. بعد انتهاء الكلمات، توجه أمين العاصمة ووزير الصحة والبيئة ورئيس هيئة الزكاة وعدد من المسؤولين إلى مكتب بريد التحرير. هناك، بدأ التدشين الفعلي لصرف الزكاة والمساعدات.

 

كان المشهد أشبه بلوحة فنية بديعة: أيدي تمتد لتستلم، وعيون تدمع فرحًا، وأخرى تدعو لمن قدموا. لحظة تتجسد فيها القيم الإسلامية السامية على أرض الواقع. إنها لحظة تتوج جهد عام كامل، وتبشر بأن الخير في هذه الأمة لا ينضب، وأن صنعاء رغم الجراح، تبقى مدينة تفيض بالعطاء والتراحم.

 


إرسال تعليق

أحدث أقدم