صنعاء – بقلم هلال جزيلان
في جغرافية الاقتصاد اليمني، هناك أسماء تتحول
مع الزمن إلى طوابع بريدية تُلصق على جبين الثقة. شركة "ناتكو السيارات"
واحدة من تلك الأيقونات. وقبل أن نروي حكاية الضمان الذهبي الجديد، وقبل أن ندلف إلى
معرض "جيتور وسوايست" المتلألئ، كان لا بد لنا من وقفة احترام أمام التاريخ؛
فـ"ناتكو" ليست وليدة اللحظة الصينية، بل هي الحاضنة الأولى لـ "هيونداي"
الكورية في اليمن.
منذ عام 1990، واليمني يربط اسم "ناتكو"
بصلابة الحديد الكوري القادم من شبه جزيرة "سيول". حفرت سيارات هيونداي في
الذاكرة الجمعية لليمنيين كأحد رموز الصمود، قطعت جبال حراز، وصبرت على شمس تهامة،
وتحملت من الوعورة ما لا تتحمله إلا الإبل الأصيلة. كانت "ناتكو" هي الصوت
الهامس في أذن اليمني: "اطمئن، معك كوري لا يخون".
لهذا، حين نزلت "جيتور" و"سوايست"
الصينيتان إلى ساحة صنعاء صباح أمس السبت (18 أبريل 2026)، لم يكن المشهد مجرد تغيير
في كتالوج السيارات، بل كان تتويجاً لمنزل عريق فتح أبوابه لضيف جديد دون أن يُغلق
الباب الأول. إنها حالة نادرة من تعدد الولاءات التجارية بضمان من ذهب.
المشهد الأول: ارستقراطية المكان وصهيل المحركات
كانت أرض المعرض أشبه بمتحف حي. في الردهات
الخلفية، تتلألأ ذكريات عقود من الشراكة مع هيونداي الكورية، وفي الصالة الأمامية،
وقفت ثمانية نماذج من "جيتور" و"سوايست" الصينيتين، محركاتها تتنفس
بطريقة هادئة لم يألفها اليمني إلا حديثاً. وقف السادة الحضور، وعلى رأسهم الأخ نذير
الشميري، رئيس فريق العمل بإقليم اليمن في مجموعة هائل سعيد أنعم، وهم ينظرون إلى هذا
المزيج الحضاري: الثقة الكورية كقاعدة متينة، والتكنولوجيا الصينية كسقف عالٍ طموح.
تقدم الأخ محمد عبدالجليل جازم، مدير عام
ناتكو السيارات، ليخطب في الجمع. نبرة صوته كانت تحمل صدى عقود من العمل في سوق السيارات
اليمني. لم يقل: "نسينا الماضي"، بل قال بما معناه: "لأننا كنا الأفضل
في تمثيل هيونداي، ولأننا نعرف كيف تطحن الطرق اليمنية الحديد، اخترنا لكم هذا القادم
الجديد. جيتور وسوايست لم تأتيا لتزاحما هيونداي في قلوبكم، بل لتشاركاها الطريق نفسه."
رسالة من بكين إلى عاصمة سامسونغ وصنعاء
جاء في كلمة السيد كي تشواندينج، رئيس جيتور
العالمية، ما يشبه شهادة ميلاد جديدة للثقة الشرقية. قال الرجل الصيني، وهو ينظر في
عيون تجار يمنيين خبروا الكوري لعشرات السنين: "شراكتنا مع ناتكو ليست مزاداً
على العلاقات القديمة. نحن نعرف أن اليمن يثق في هيونداي، ونحن لا نطلب منكم أن تتركوا
ما في أيديكم، بل نطلب منكم أن تفتحوا يداً أخرى لنا."
هنا تكمن الدراما الحقيقية. فـ "ناتكو"
بهذه الخطوة لم تتحول من كورية إلى صينية، بل باتت سفينة تحمل علمين: العلم الكوري
في المقدمة إجلالاً لسنوات الجودة، والعلم الصيني في المؤخرة كأشرعة إضافية تزيد من
سرعة الإبحار نحو المستقبل.
الضمان الذهبي: مليون كيلومتر من العهد الجديد
لكن الحدث الذي جعل الدماء اليمنية تغلي حماسة
لم يكن فقط الكلام الدبلوماسي، بل كان الورقة الذهبية التي أُعلنت: "ضمان يصل
إلى مليون كيلومتر أو عشر سنوات على المحرك".
أتعلمون معنى هذا الرقم في بلدٍ يقيس فيه
الناس أعمار سياراتهم بمقاييس "الأب" و"الابن"؟ إنه إعلان حرب
شريفة على قسوة الجغرافيا. لقد اعتدنا أن نرى سيارات "هيونداي" الكورية تجاوزت
الـ 400 ألف كيلومتر ولا تزال تنبض، وهذا الإرث الكوري هو الذي جعل "ناتكو"
تمتلك الجرأة لتقول للصيني: "إذا أردت أن تجلس إلى جوار الكوري، فيجب أن تضمن
محركك مليون كيلومتر." وقد كان.
الخاتمة: حيث لا تموت الذاكرة
بعد أن قص الشريط، وغادر الضيوف، بقيت الحقيقة
معلقة في هواء صنعاء المختلط برائحة البخور والبنزين. "ناتكو" لم تتخل عن
هيونداي. إنها فقط أثبتت أنها أكبر من مجرد وكيل حصري؛ إنها مؤسسة قادرة على أن تكون
حلقة الوصل بين "سيول" و"بكين" في قلب "اليمن".
هذا ليس تقريراً عن تدشين سيارات صينية فحسب،
بل هو تكريم لماضٍ كوري مجيد تصنعه أيدي يمنية، وتحية لمستقبل صيني يبدأ بضمانٍ لا
يقوى على منحه إلا من يعرف قسوة الطريق مسبقاً. من يعرف اليمن، يعرف أن السيارة هنا
ليست رفاهية... إنها رئة ثانية، وساعد أيمن، وشريك عمر. واليوم، زاد عدد الشركاء.


