كتب: هلال جزيلان 775036841
بعد عصر اليوم الرابع من شهر الرحمة، حيث تتهادى نسمات رمضان حاملةً معها بشائر الخير والبركة، اجتمع في فضاء العاصمة صنعاء جمعٌ من المسؤولين والعلماء، ليس ليشهدوا تدشين أرقام جامدة، بل ليباركوا انطلاقة قوافل النور التي ستعبر الجبال والوديان، لتدق أبواب الفقراء والمكلومين، حاملةً معها دفء الزكاة وندى الإحسان.
هنا، حيث الكلمة تتحول إلى فعل، والريال يتحول إلى أمل، دشن القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء، العلامة الجليل محمد مفتاح، اليوم، مشاريع الإحسان التي تنفذها الهيئة العامة للزكاة خلال شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ، بإجمالي تجاوز ستة وعشرين مليار ريال، تستهدف خمسمائة وثلاثة وثمانين ألف أسرة ومستفيد. رقم ضخم، لكنه خلفه قصصٌ لأناس ينتظرون، وقصصٌ لأطفال سيأتيهم العيد بكسوة جديدة، وأسر ستجد قوت يومها، ومدينون سيتحررون من قيود الدَّين.
وقف العلامة مفتاح على منصة التدشين، ونظر في وجوه الحاضرين، ثم أطلق كلمته كشهاب ينير الدرب:
"إن العمل الإنساني الذي تنفذه هيئة الزكاة اليوم، ما هو إلا امتداد لدورها العظيم، وجهدها الدؤوب في جمع الزكاة بطريقة مؤسسية لائقة وراقية. إنها تعود بفريضة الزكاة إلى مسارها الصحيح، بعد أن انحرفت خلال فترات ماضية عن وضعها الذي أراده الله تعالى".
وتحدث العلامة عن النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، الذي أرسى دعائم هذه الفريضة، وحرص على أن تسير في ركاب العدالة الاجتماعية. ثم التفت إلى الحضور بعينٍ بصيرة، يرى ما وراء الأرقام:
"هيئتنا اليوم، بكادرها القيادي والإداري، وبعد ثمان سنوات من بدء نشاطها، تسير بخطى ثابتة لتكون واحدة من أرقى المؤسسات. إنها تبادر إلى سد أي ثغرات في التنظيم المالي والإداري، وتخضع للمراجعة والتقييم والتدريب والتأهيل، وتطور لوائحها وأنظمتها، لتكون الشفافية هي المعيار المسيطر على أدائها".
ثم ارتفع صوته قليلاً، ونظر إلى كبار المكلفين وصغارهم، وكأنه يوجه لهم رسالة خاصة:
"لا تتساهلوا في أداء الزكاة، وانسقوا مع الهيئة بشكل كامل، لتضمنوا إيصالها إلى مستحقيها الحقيقيين. إن الزكاة وسيلة لتفريج الكرب عن الكثير من المكروبين والمحزونين والبائسين والمعوزين في كل المناطق. إنها ليست مجرد فريضة مالية، بل هي بلسمٌ يجبر كسور النفوس قبل الأجساد".
وفي لحظة تأمل، استحضر العلامة مفتاح صورة اليمن وهو يعيش وضعه الاستثنائي:
"نحن اليوم، بفضل من الله، تجاوزنا المرحلة الأصعب في تاريخنا. واجهنا تحالف العدوان والحصار والإجرام العالمي بملحمة أسطورية على مدار سنوات. واليوم، الشعب اليمني هو في أفضل حالة من القوة والتماسك والفاعلية، بالرغم من حجم المؤامرة الكبيرة والضجيج والضخ الإعلامي الضخم وتزييف الحقائق".
وأشاد بدور هيئة الزكاة في هذه المواجهة:
"إن هيئة الزكاة تسهم إسهاماً مهماً في مواجهة المؤامرات من خلال جهدها وترتيبها وتنظيمها ومشاريعها وإبداعها في تخفيف وطأة الإجرام والظلم على المواطنين. إن التكافل والتراحم فيما بيننا كمجتمع يمني، والتواصي باحتياجات المعوزين والمساكين دون استثناء، هو السبيل الوحيد لتجاوز المحن".
ثم وجه كلمة خاصة إلى الميسورين، الذين يقيمون الحفلات والولائم الكبيرة:
"أدعوهم إلى أن يسخروا تلك الأموال الباهظة التي تصرف في معظم الأحيان بغرض المباهاة، فيما يفيدهم في دنياهم وآخرتهم. تلمسوا أحوال المحتاجين، وأكدوا انتماءكم إلى هذا الشعب العظيم عبر المساعدة والتكافل الاجتماعي الحقيقي. فذلك هو باب الخير والرفعة في الدنيا والآخرة".
وأضاف كلمة كأنها مطرقة تصك مسامع الحاضرين:
"اليوم هو يوم العمل والإبداع في الميدان، والتحرك للعمل من أجل خير الآخرين ولو بالقليل. من غاب اليوم عن وجوده في خدمة مجتمعه بنفسه وماله وجهده، لا خير فيه في المستقبل، ولا يشرف شعبنا أن ينتمي إليه".
وتابع حديثه، وكأنه يقرأ من سفر الشهداء:
"الملاحم لا يعرف قدرها إلا العظماء وأصحاب المبادئ والقيم الإنسانية والضمير الحي. هناك أم لديها ثمانية شهداء، وأخريات سبعة وستة وخمسة، غير الأخوة والأحفاد. فيما نجد أن البعض يمن على الوطن والشعب بأتفه الأشياء".
واختتم كلمته بشكر لقيادة الهيئة وكوادرها، وحثهم على دوام تحسين الأداء والارتقاء بنشاط الهيئة، والمزيد من الإبداع في العمل والمشاريع التي تخدم أكبر شريحة من المحتاجين والمعوزين.
وبعد كلمته، وقف الشيخ شمسان أبو نشطان، رئيس الهيئة العامة للزكاة، ليفتح دفاتر الخير واحدة تلو الأخرى، وكأنه يروي قصصاً من الواقع:
"مشاريع الإحسان الرمضانية، توزعت على ثلاثة مجالات رئيسية، كثلاثة أنهار تروي الأرض العطشى".
أما المجال الأول، فكان مشاريع الصرف اللامركزي عبر مكاتب الزكاة في الأمانة والمحافظات. وبدأ يعدد كمن يقطف ثماراً من شجرة الخير:
"يصل خيرها إلى الأسر العاجزة عن العمل شهرياً، ثلاث وأربعون ألف أسرة، بإجمالي اثنين مليار وخمسمائة وتسعة وسبعين مليون ريال. والمساعدات النقدية تستهدف الأسر الفقيرة، مائتان وخمسون ألف أسرة، بتكلفة خمسة مليارات ريال. وصرف وتوزيع زكاة الفطر لمائة وثمانين ألف أسرة فقيرة، بقيمة ثلاثة مليارات وخمسمائة واثنين وثمانين ألف ريال. وكسوة العيد العينية في الأمانة لخمسة وسبعين ألف مستفيد، بإجمالي أربعمائة وخمسة وسبعين مليون ريال. ومساعدات الغارمين لألف ومائة مستفيد، بتكلفة ثلاثمائة وواحد وعشرين مليون ريال. والمساعدات العلاجية لأربعة آلاف مستفيد، بتكلفة مليار ريال".
ثم انتقل إلى المجال الثاني، وهو التعزيزات المركزية:
"دعم الآلية الاستنثائية لدفع فاتورة المرتبات لموظفي الدولة بثلاثة مليارات ريال. ودعم سبيل الله بستة مليارات ريال. ودعم المراكز العلمية والجامعات وأكاديميات العلوم الشرعية بمليار ريال. ودعم المستشفى الجمهوري في الأمانة لتقديم الخدمات العلاجية المجانية للفقراء، بإجمالي تسعمائة مليون ريال".
أما المجال الثالث، فقد كانت له نكهة خاصة، ففيه المشاريع المنفذة عبر ديوان الهيئة:
"مشروع الغارمين، بإجمالي أربعمائة مليون ريال، لمائتي مستفيد. والمساعدات العلاجية: عمليات كبرى وسفر للخارج، لألف مستفيد، بتكلفة خمسمائة مليون ريال. ومشاريع زراعة الكلى لخمسة وعشرين مستفيداً، بقيمة مائة وسبعة وثلاثين مليون ريال. ودعامة الحياة: عمليات قسطرة وتركيب دعامة قلب، لمائة وخمسة وسبعين مستفيداً، بتكلفة مائة وسبعة وثلاثين مليون ريال".
وتابع يسرد كمن يكتب وصايا المحتاجين:
"دعم مستشفى إسناد للحالات النفسية، لمائتين وثلاثين مستفيداً، بإجمالي مائة وثمانية عشر مليون ريال. والمساعدات النقدية لأبناء الجاليات الفلسطينية، لأربعمائة وثمانية عشر أسرة، بتكلفة سبعة وستين مليون ريال. ودعم الجاليات الأفريقية، لألف وثمانمائة وواحدة وخمسين أسرة، بتكلفة سبعة وثلاثين مليون ريال. ودعم دور رعاية الأيتام، بقيمة خمسين مليون ريال".
وزاد في التفصيل، وكأنه يفتح نافذة على معاناة المخفيين:
"دعم مراكز رعاية وإيواء المتشردين، المرضى النفسيين غير المصحوبين، لمائتين وخمسين مستفيداً، بتكلفة مائة وخمسين مليون ريال. ومساعدات النازحين من أبناء حيس والخوخة وجبل رأس في الحديدة، لألفي مستفيد، بتكلفة خمسين مليون ريال. ودعم الأفران والمطابخ الخيرية، لألفي أسرة، بقيمة مائة مليون ريال. ومساعدات مالية فردية طارئة، بإجمالي أربعمائة وثلاثة وتسعين مليون ريال. وصرف مساعدات نقدية للفقراء في كشوفات مستثمري الكسارات، عشرة آلاف مستفيد، بتكلفة مائتي مليون ريال. وتكريم ألف وثلاثمائة من العلماء، بتكلفة مائتي مليون ريال".
وأوضح الشيخ أبو نشطان أن إطلاق مشاريع الإحسان الرمضانية يأتي بمتابعة حثيثة من قائد الثورة، السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، وحرصه على أن تصل الزكاة إلى مستحقيها، كونه حقاً معلوماً فرضه الله للفقراء والمستحقين ضمن المصارف الشرعية.
واعتبر الزكاة منظومة مستمرة لا تنحصر في موسم ولا ترتبط بظرف، بل تسير وفق خطة واضحة ورؤية منضبطة، تستند إلى دراسات وضوابط شرعية وآليات رقابية تضمن وصول الزكاة إلى مستحقيها بعدل وشفافية. وأضاف:
"شهر رمضان هو ذروة هذا العطاء، تتكامل المشاريع الربعية مع المشاريع الخاصة بالشهر الكريم، وفي مقدمتها زكاة الفطر التي شرعها الله تعالى طهرة للصائم وطعمة للمسكين، لتكون فرحة العيد شاملة، لا يحرم منها فقير ولا يقصى عنها محتاج".
وثمن دور المزكين المبادرين، الذين أخرجوا زكاة أموالهم طيبة بها أنفسهم، ووصفهم بشركاء الهيئة، مؤكداً حرص هيئة الزكاة على الشفافية المطلقة مع المزكين والمجتمع بشأن أموال الزكاة، إيراداً ومصرفاً.
وفي السياق ذاته، أكد عضو المكتب التنفيذي لأنصار الله، يحيى أبو عواضة:
"ضرورة تعزيز التكافل المجتمعي ووجوب الإنفاق خلال المرحلة الراهنة، أكثر من أي مرحلة أخرى، خاصة واليمن يعيش حالة من الحصار والفقر. إن التكاتف اليوم ليس خياراً، بل هو ضرورة وجودية".
وقد تخلل التدشين، الذي حضره القائم بأعمال رئيس مصلحة الضرائب والجمارك الدكتور إبراهيم مهدي، ونائب رئيس الغرفة التجارية بالأمانة محمد صلاح، وعدد من وكلاء أمانة العاصمة وهيئتي الزكاة والأوقاف، عرض فيلم وثائقي حول مشاريع الإحسان الرمضانية، يحكي قصصاً واقعية لأناس عاديين تحولت حياتهم بفضل هذه المشاريع. كما قدمت فرقة شباب الصمود أنشودة مؤثرة بعنوان "التكافل"، هزت القلوب وذكرت الحاضرين بأن الخير ما زال موجوداً، وأن الأمل يولد من رحم المعاناة.
هكذا، في يوم عادي من أيام رمضان، كتبت هيئة الزكاة فصلًا جديدًا في كتاب العطاء اليمني، فصلًا تتحول فيه الأرقام إلى أنفاس، والمليارات إلى دموع فرح على وجوه الأطفال، وابتسامات رضا على شفاه الفقراء.


