سردية الجسد والخرسانة
كتب صحفي وباحث : هلال جزيلان 00967775036841
في صباح صنعائي تلمح فيه السماء بلون رصاصي خفيف، لم تكن الأقدام التي
اصطكت بالإسفلت البارد مجرد أقدام متسابقين كانت 300 حكاية من لحم وعظم، تمثل كليات
الحربية والبحرية والطيران، توشك أن تنسج خريطة جديدة للمدينة بطولة "ال#ش#هي#د
القائد لاختراق الضاحية" في موسمها الثالث (1447هـ)، لم تكن حدثاً رياضياً عادياً؛
بل كانت طقساً جماعياً لإعادة استعمار الفضاء العام بمعانٍ جديدة، تحويل الشوارع من
مجرى للحركة اليومية إلى مسرح لسردية التضحية والاستعداد.
الانطلاق
من جسر الذاكرة
من على جسر دار الرئاسة، حيث يبدو النهر تحت ضباب الصباح كشريان من الفضة
الباهتة، انطلقت الحكاية اللحظة الأولى التي تدوي فيها طلقة البداية هي دائماً لحظة
توقّف الزمن يتحول الجسد من حالة السكون إلى حالة من الزئير الصامت كان كل متسابق،
بزيه العس#كري، يحمل في عضلاته وأعصابه وثبات نفسه، روح من سموا بـ"الش#ه#داء"،
وأرواحاً لأبطال الجيش واللجان الشعبية الذين تذكرهم التضحيات المستمرة في الجبهات
كانوا يركضون وهم يحملون أرواحاً أخرى على أكتافهم.
مسار يتنفس
التاريخ والجغرافيا
ثم يبدأ المسار، ذو الـ12 كيلومتراً، في التحدث مرور المتسابقين بـ جولة الثقافة و بيت بوس هو مرور بين حنايا الذاكرة المدنية، بينما يضفي العبور قرب مستشفى القدس بعداً إنسانياً سامياً، وكأن الجري هو صلاة جسدية من أجل الشفاء والصمود ولكن الذروة الدرامية للمسار هي اختراق ميدان السبعين ذلك الميدان العريض، الشاهد على تاريخ اليمن الحديث، يصبح فجأة مضماراً لأجياله القادمة اختراقه ليس اجتيازاً لمساحة جغرافية، بل اجتيازاً لطبقات من الزمن، إعلاناً أن الشباب اليمني لم يعد مجرد متفرج على ساحات التاريخ، بل صانعاً لها، يصنع التاريخ بقدميه قبل أن يصنعه ببندقيته.
الكلمات
التي تصنع المعنى
عند خط النهاية في نادي سام الترفيهي، حيث يتكثف الزفير ويتحول العرق
إلى ميداليات شرف غير مرئية، بدأت مرحلة أخرى من الطقس: مرحلة الكلمة.
وقف العلامة محمد مفتاح، القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء، فجاءت كلمته
كـ الإطار النظري للحدث كانت خطبة جامعة تربط بين جهد الساقين اليوم وبين مشروع التحرر
الوطني الطويل، مستلهماً روح من وصفوا بأنهم "ضحوا بأرواحهم رخيصة في الدفاع عن
الوطن" هو لم يعلق على سباق، بل فسّر لماذا يجب أن تكون هناك سباقات من هذا النوع.
أما العميد سفير زايد، مساعد رئيس هيئة التأهيل والتدريب بوزارة الدفاع،
فكان صوته هو صوت الحرفي العسكري كلمته، في حضور نائب وزير الشباب والرياضة نبيه ناصر
ووكيل أول أمانة العاصمة خالد المداني، حولت السباق من نشاط بدني إلى تدريب نوعي كان
يخاطب "الجسد الجماعي" للمؤسسة العس#كرية، مؤكداً أن "إحياء ذكرى الش#هي#د
القائد تعبير عن الوفاء لمن ضحوا بأنفسهم في سبيل الله والدفاع عن العرض والأرض"،
وأن أفضل وفاء هو أن يكون خلفهم رجال أقوياء في العقل والجسد والروح.
تكريم..
أو استمرارية العهد
ثم جاء التكريم لم يكن منح الجوائز مجرد تتويج للأسرع، بل كان توقيعاً
جماعياً على عهد كل مصافحة بين القادة والفائزين كانت كتسلم راية الفائز الأول لم يكن
يحمل كأساً فحسب، بل حمل مسؤولية أن يكون نموذجاً، كما أن "استمرار أحرار اليمن
في مواقفهم وسخائهم... يعزّز من الصمود" كان المشهد النهائي مؤثراً: الشباب المتعرقون
وهم يقفون في صف، تنحني عليهم الأعلام، في لحظة جمعت بين فرحة الإنجاز الرياضي ووقار
الالتزام الوطني.
اختراق الضاحية
كفعل مقاومة
اختراق الضاحية، بهذا المعنى، لم يكن اختراقاً للمسافة بين نقطتين على
خريطة صنعاء لقد كان اختراقاً لحواجز الإرهاب النفسي، للروتين القاتل، لفكرة الاستسلام
كان إثباتاً أن شوارع اليمن لا تزال قادرة على أن تكون مسرحاً للحياة والنشاط، وليست
مجرد ممرات بين أنقاض كان الجري، في هذه البطولة، لغة أخرى من لغات المقاومة، ودرساً
عملياً في أن الانتصارات تبدأ بخطوة، ثم أخرى أسرع، ثم باختراق مستمر لكل السبعينات
التي تعترض طريق الأمة.
هكذا، تتحول الـ12 كيلومتراً من مجرد رقم إلى ملحمة مصغرة، حيث كل نفس
يزفره العداء هو نَفَسٌ لليمن، وكل خطوة تتقدم إلى الأمام هي خطوة نحو المستقبل الذي
ضحى من أجله الش#هي#د القائد، والذي يعد هؤلاء الشباب بأنفسهم وقوداً لحمايته وبنائه.


