تغطية باحث صحفي: هلال محمد جزيلان 00967775036841
تحت سقف يحمل همس الحروف وصدى الحكايات، وفي صباحية هي أقرب إلى حلم ثقافي متجسد، اجتمعت الوجوه حول عرش الكلمة، في حفل توزيع جوائز "حزاوي" للسرد اليمني غير المنشور (دورتها الثالثة والرابعة 2024-2025). ليست فعالية تكريم، بل كانت عملاً درامياً كاملاً، فصل تلو الآخر، خطبتهُ شخصيات رسمت بحديثها ملامح أمل في جسد الثقافة اليمنية النابض رغم الجراح.
الإيهام
بالبدايات
انطلقت الصباحية، ليس بصافرة أو جرس، بل بنوع من الاحترام الصامت لجدلية
"النشر" و"اللا نشر"، جائزة تبحث عن المخطوطات المكنوزة في أدراج
الكتاب، كمن يبحث عن كنز في بحر من الظلام، هنا، كان بنك اليمن والكويت ليس ممولاً
فحسب، بل شريكاً في حلم إخراج هذه النصوص من شرنقة الانتظار إلى فضاء النور قدم الأستاذ
عمر الحيمي كلمة البنك، فجاءت كلماته مؤطرة بروح المسؤولية المجتمعية، مؤكدة أن استثمار
المال في العقل والوجدان هو أغلى استثمار، وأن الثقافة ركيزة لا تقل أهمية عن أي قطاع
تنموي. كانت كلمته أشبه بـ "مقدمة الفيلم" التي تضع المشاهد في السياق، وتلمح
إلى أن ما سيأتي هو حصاد بذرة رعايتها.
حراس الذائقة
وصناع الأمل
ثم جاء دور الهيئة العامة للكتاب، ممثلة برئيسها الأستاذ عبد الرحمن مراد
وقف كرجل دولة ثقافي، حاملاً هموم القطاع ومشرقاً بمنجزاته تحدث عن الجائزة كجسر بين
المبدع والمتلقي، وكأداة حيوية لتنقية الخارطة السردية واكتشاف الأصوات الجديدة كانت
كلمته تحمل طابع "الراوي العليم" في الرواية، الذي يرسم الإطار العام ويضبط
إيقاع الأحداث، مذكراً بالدور الرقابي والتشجيعي الذي يجب أن تلعبه المؤسسة الرسمية،
لا كحاجز، بل كحاضن ومحفز.
صوت المنتصرين
وكانت لحظة الذروة العاطفية عندما تولى الكاتب نبيه مجلي مهمة تقديم كلمة
الفائزين هنا، تحولت الدراما من عام إلى خاص، من مؤسسات إلى فرد تحدث باسم "المنتظرين"،
أولئك الذين حبسوا أنفاسهم وأحلامهم بين دفتي مخطوطة عبر عن زهو الانتصار الصغير للإبداع
على اليأس، وللقيمة على العزلة كانت كلمته هي "صراع البطل" و"ذروة الحدث"
في آن؛ البطل الذي واجه شكوكه وصمت دور النشر، وانتهى به المطاف إلى منصة التتويج عبر
شكره لمجلس الأمناء والبنك والداعمين، لكن الشكر الأعمق كان للكلمة نفسها التي انتصرت.
الحكمة والرؤية
لتأتي كلمة مجلس أمناء الجائزة، ممثلة بالدكتورة ناديه الكوكباني، كـ
"حكمة الدرس" المستفاد قدمت رؤية المجلس كحارس للقيمة الأدبية ومعيار للجودة
شرحت فلسفة الجائزة في التنقيب عن المغمورين وتشجيع التجريب ضمن الأصالة كانت كلماتها
تحليلية وموجهة نحو المستقبل، مؤكدة أن الجائزة ليست غاية، بل محطة انطلاق لمسيرة إبداعية
أطول جسدت صوت "المرشد" أو "الحكيم" في الحكاية، الذي يمنح البطل
(الفائز) أداة أو بصيرة لمواصلة رحلته.
الحالمة
والواقعية
واختتم هذا المنجز الدرامي الأستاذ عبد الباري طاهر، رئيس نقابة الصحفيين
اليمنيين الأولى جاءت كلمته كـ "خاتمة مفتوحة" جمع بين واقعية الصحفي وشاعرية
المثقف تحدث عن الكلمة في زمن الحرب والانقسام، وأهمية أن تبقى جائزة مثل "حزاوي"
منبراً وطنياً جامعاً، يعلو فوق كل الخلافات رسم صورة للكلمة المقاومة، السرد كفعل
وجود كان حضوره رمزياً، يربط الإبداع السردي بصحافة الرأي، ويربط الفعالية بسياقها
اليمني الأوسع المليء بالتحديات والآمال.
دراما النهوض
الثقافي
لم تكن هذه الفعالية مجرد توزيع جوائز لقد كانت نصاً درامياً متكاملاً،
شخصياته الرئيسية: الممول الواعي، المؤسسة الراعية، المحكم الحكيم، المبدع المنتصر،
والرمز النقابي الحارس وكان صراعها: إرادة الحياة للإبداع في وجه شبح التهميش والنسيان
وكان حلها: هذا الاحتفاء الذي يشبه الانتصار المؤجل.
"حزاوي" في دورتها الثالثة والرابعة، بدعم بنك اليمن والكويت
ومتابعة مجلس أمنائها، تثبت أن الثقافة اليمنية قادرة على صناعة دراماتيجيتها الخاصة،
دراما النهوض من بين ركام الصعاب، دراما البحث عن الجمال والحقيقة في زمن يعتقد الكثيرون
أنه لا مكان فيهما إنها جائزة لا تكافئ النصوص فحسب، بل تكافئ الإرادة التي كتبتها،
والأمل الذي حملها حتى وصلت.
اللقاء التاريخي
بين الراعي والمبدع
ولكن، مثل كل الأعمال الدرامية العظيمة، لم تكن الكلمات هي الخاتمة النهائية
بل جاء المشهد البصري الأكثر إشراقاً والأعلى إيقاعاً ليختتم السيمفونية مشهد التكريم
وتسليم الجوائز.
هنا، انتقلت الدراما من حقل الخطاب إلى حقل الممارسة، ومن الرمزية إلى
التجسيد وقف بنك اليمن والكويت، ليس كجهة داعمة تذكر في البروشورات فقط، بل كفاعل رئيسي
في لحظة التحول لدى المبدع تحول الدعم المالي، عبر تسليم الجوائز، إلى فعل ثقافي مُراقَب،
حوار صامت بين راعي الاقتصاد وفلاحي الإبداع كل جائزة مُسَلَّمة كانت كفّاً تصافح أخرى،
في تعاقد جديد على شراكة مصيرية شراكة بقاء الروح اليمنية عبر كلماتها.
لم يكن التكريم مجرد طقس شكلي، بل كان الختام المكلل بالورود لرحلة وعود
كان تجسيداً حياً لكلمات الأستاذ "الحيمي" عن الاستثمار في العقل، وتحويلاً
لكلمات الدكتورة "الكوكباني" عن الرعاية إلى فعل ملموس كان الرد العملي على
أمل الأستاذ "مراد" في دعم المبدعين، والتكريم العيني لصبر وتوق "نبيه
مجلي" وزملائه الفائزين وكان، في المحصلة النهائية، المشهد الذي يمنح لكلمات الأستاذ
"طاهر" عن "الكلمة المقاومة" جسداً وأسماء وأوجهًا تبتسم.
عندما تصبح
الجائزة جسراً
هكذا، وبعد أن أتمت الفصول الستة دورتها، انتهت فعالية "حزاوي"
بجعل الرعاية فعلاً مرئياً، والإبداع وجهاً معروفاً، والجائزة جسراً يمر من فوقه حلم
المخطوطة إلى واقع الكتاب، ومن عزلة الكاتب إلى حفاوة المجتمع. لقد كانت لمسة أخيرة
درامية أكدت أن هذه الجائزة، في رعاية بنك اليمن والكويت وتنفيذ مجلس أمنائها، هي أكثر
من مسابقة؛ هي طقس كامل للاعتراف، وسردية مصغرة عن إمكانية النهوض، حيث تلعب كل الكلمات
والأفعال دورها لتقول، في النهاية ها هي اليمن.. تحيي.