كتب: باحث وصحفي / هلال محمد جزيلان 00967775036841
في مديريةٍ تحمل اسم الثورة، تقوم اليوم ثورةٌ أخرى ليست ثورةً بالبارود أو الصراخ، بل ثورةُ صمتٍ وشفاء، ثورةُ أيدٍ تلامس الجروح لتُضمِّدها، وحبوبٍ تقدَّم كفتاوى للبقاء هذا هو المخيم الطبي الجراحي الخيري الذي دُشِّن اليوم في أمانة العاصمة، بتنظيم من مركز الكوثر الطبي وبالتعاون مع مكتب الصحة والبيئة ولكنَّه ليس مجرد مخيم؛ إنه روايةٌ تتوسَّد فيها الأجساد المتعبة أملًا لمدة ثلاثة أسابيع.
الاستقبال..
حيث يبدأ الألم في الكلام
تخيَّل طوابيرًا من الصبر رجالٌ تثقل خطاهم آلام الظهر والقلب، ونساءٌ
يحملن بين جوانحهن أمنيات الأمومة ومخاوف الأمراض النسائية، وأطفالٌ عيونهم الواسعة
تسأل عن سبب هذا الانتظار الطويل إنهم لا ينتظرون دواءً مجانيًا فحسب، بل ينتظرون نظرة،
واستماعًا، واعترافًا من العالم بأن آلامهم حقيقية يقولون إن المعاناة زادت بسبب العدوان
والحصار، ولكنَّ الألم هنا شخصيٌ حميمي: ألمٌ في عصب، أو وجعٌ في مفصل، أو سكرٌ عالٍ
في الدم، أو قلبٌ يُكبِّل صاحبه عن التنفس.
يدخلون واحدًا تلو الآخر إلى خيمة الاستقبال، حيث تتحوَّل شكواهم من همسٍ
في البيوت إلى كلماتٍ مسجلةٍ في ملفات هذه اللحظة الأولى من الاعتراف الطبي هي أول
خطوة نحو الشفاء.
الخيمة البيضاء..
حيث تتحوَّل الكلمات إلى خريطة علاج
هذه الخيمة ليست مجرد قماشٍ وفقرات إنها خريطةٌ شاملةٌ لجسد الإنسان اليمني
المتألم فيها تُحلَّل شفرة البدن قطعةً قطعة هنا، في هذا الركن، يجلس اختصاصي أمراض
النساء والولادة والعقم، ليحاول زرع بذرة أمل في رحم يائس وفي الركن المقابل، يفحص
طبيب الباطنة والصدرية والغدد والسكري قلبًا خائفًا ودمًا مثقلاً بالسكر. وبخطواتٍ
قليلةٍ، تُعالج أمراضٌ جلديةٌ وتناسلية، فيما تنتظر مشكلاتٌ في المخ والأعصاب والعمود
الفقري حكمة جرَّاحٍ ماهر.
إنه تنظيمٌ دقيقٌ يشبه تقسيم الرواية إلى فصول الأسبوع الأول للأمومة
والطفولة، والثاني للباطنة، والثالث للجراحة بأنواعها وكما أن لكل فصلٍ أبطاله، ها
هم نخبة من الاستشاريين والاختصاصيين يتطوَّعون ليكونوا أبطال هذه القصة إنهم لا يجرون
فحوصاتٍ فقط، بل يوقِّعون على عهودٍ صامتةٍ مع الحياة.
الكلمات التي تضمد قبل الدواء
قبل أن تبدأ الأدوات الجراحية عملها، ارتفعت كلماتٌ كانت بمثابة مخدرٍ
أخلاقي وقف الدكتور مطهر المروني، مدير مكتب الصحة، ليشيد بهذه المبادرة الإنسانية
كتعبير عن المسؤولية المجتمعية كانت كلماته تذكيرًا بأن الوطن، في عمقه، ليس حدودًا
جغرافية، بل هو هذا التكافل، وهذا التراحم الذي يلتئم به الجرحى ودعا القطاع الخاص
لأن يكون شريكًا في كتابة فصول الرحمة هذه.
ثم جاءت كلمة الدكتور مطهر الدرويش، مدير مركز الكوثر، لتربط بين الشفاء
والذاكرة لقد ربط تدشين المخيم بذكرى ش#هي#د القرآن، السيد حسين بدر الدين ال#حو#ثي،
داعيًا إلى تجسيد القيم الإيمانية والأخلاقية التي تحلَّى بها ال#شه#داء، وتحويلها
إلى فعلٍ ملموسٍ في خدمة الناس بهذا، يصبح الشفاء الجسدي امتدادًا لروح التضحية، ويصبح
العلاج مقاومةً للنسيان.
اللمسة الأخيرة..
بين الواقع والرمز
اختُتِم التدشين بقصيدة شعرية، وكأن الفن يقول إن الجمال لا يكتمل إلا
بسلامة الجسد وطمأنينة النفس لقد انسحب الحاضرون، وهم أعضاء مجلس النواب ومسؤولي التعبئة
والأطباء، تاركين المسرح للحقيقة الكبرى: المرضى والأطباء وجهاً لوجه.
ها هو المخيم الآن يعمل ممرضة تُعِدُّ حقنة، وطبيبٌ يقرأ أشعة، وأمٌّ
تحتضن طفلها بعد تلقِّي العلاج في مكانٍ آخر من البلاد، تُقام مخيماتٌ مشابهة: مخيمات
للعيون تُعيد البصر، وأخرى للقلب تُعيد الأمل كلُّها تشكِّل سرديةً موازيةً لسردية
الحرب إنها سردية الصمود، حيث يُقاس الوطن ليس فقط بمساحة أراضيه، بل بمساحة رحمته،
وبطولات أطبائه المجهولين، وصبر مرضاه.
ثلاثة أسابيع هي ايام المخيم، ولكنَّ قصته ستستمر قصة تذكِّرنا بأن أعظم
الثورات هي تلك التي تنتصر فيها الحياة على الموت، ويومًا بعد يوم، ينتصر فيها النبض
الهادئ على كل أصوات الدمار.


