كتب : هلال جزيلان 775036841
لم يكن الصباح في شارع الخمسين مجرد بداية يوم عادي. كان نبضاً جديداً
ينبض في شرايين العاصمة صنعاء، نبضٌ من الفولاذ والأمل. عند البوابة الكبيرة، حيث ارتفعت
الأعلام وزينت المداخل، كان هناك انتظارٌ محسوس في الهواء، انتظارٌ يشبه ذلك الهدوء
الذي يسبق العاصفة، لكنه هنا يسبق فرحاً. إنه يوم "ستار شيف"، يوم تتحول
فيه المساحات الفارغة إلى عالم كامل من أدوات صنع الفرح واللقاءات حول الموائد.
(المشهد الافتتاحي: قطيعة الشريط
باحترام المهندس الذي يضع اللمسة الأخيرة على صرحٍ عظيم، تقدّم المدير العام للسيد "ستار شيف". في يده مقصٌ لامع كالشفرة التي تلمع في مطابخ العالم. الحضور الكبير صامتٌ للحظة، كتجمّع أوركسترا قبل إشارة المايسترو. ثم… قَطْعَة. لم يكن مجرد شريط أحمر، بل كان قطعاً رمزياً للتقليد، للحدود القديمة، للصعوبات التي كانت تعترض طريق الصناعة. مع سقوط طرفي الشريط، انطلق التصفيق كزخات مطر على أرض عطشى، ليروي ظمأ السوق لمشهدٍ كهذا. دُفِعَت الأبواب الكبيرة لتكشف عن عالم داخليٍّ ينتظر أن يُكتشف.
(الولوج إلى العالم الجديد: الدور الأول
دخلنا إلى رحم المشروع. الدور الأول، حيث يتجسد مفهوم "المطبخ"
بكل عظمته. كانت الأضواء تنعكس على سطوح الفولاذ المقاوم اللامعة، فتشكلت أنهارٌ من
نور على أحواض الغسيل العملاقة، وأفران البيتزا التي تشبه كاتدرائيات صناعية، والشفاطات
الضخمة كقلاع تحمي الفضاء من الدخان. هنا، المعدات ليست أجساماً جامدة، بل هي
"جنود صامتة" تنتظر أمرها لخوض معارك الذواقة والإنتاج. كان الزوار يتحركون
ببطء، مأخوذين بهذا الجمال الهندسي الوظيفي. أيدي بعضهم تلمس الأسطح بنوع من الدهشة،
كمن يلمس المستقبل. الروائح مختلطة: رائحة المعدن الجديد، رائحة البلاستيك المعقم،
ورائحة القهوة العربية التي تتصاعد من زاوية المقهى التجريبي المُجهّز بأحدث ماكينات
الإسبريسو، كتوقيع أخير على لوحة الإبداع.
(الصعود إلى عالم التفاصيل: الدور الثاني
على السلالم، حيث يصعد الناس، كان الصعود أشبه برحلة إلى عالم التفاصيل
الأكثر دقة. هنا، حيث تتزين رفوف العرض بآلاف القطع الأصغر حجماً، الأكثر التصاقاً
بيد الطاهي. سكاكين يلمع نصلها كالفضة، وأوعية سيلكون، وقوالب حلوى بأشكال لا تنتهي،
وأدوات زينة الطبق التي تشبه فرشات الرسام. هذا الدور هو "مخزن الأسرار"
الصغيرة التي تصنع الفارق بين طبخة جيدة وقطعة فنية. الحضور هنا أكثر تركيزاً، يلتقطون
الصور، يسألون، يتناقشون بلهجة الخبراء. إنه حوار بين الحاجة والإمكانية، بين فكرة
الطاهي والأداة التي ستحققها.
(كلمات المدير العام: خطاب القلب والعقل
وسط هذا المشهد، وقف المدير العام كربان السفينة. لم تكن كلماته خطاباً
إدارياً جافاً، بل كانت سرداً لرحلة إيمان. بصوته الذي يحمل ثقةً هادئة، قال:
"لم نأتِ هنا لنبيع معدات فقط... أتينا لنشارك في بناء لحظة الازدهار القادمة.
هذه الصالة هي رسالتنا: أن المطبخ اليمني، بكل عراقته وإبداعه، يستحق أن تكون أدواته
في أعلى مستوى. نحن نبيع الأداة، لكننا نؤمن بالفكرة التي ستُطبخ بها". كان يتحدث
عن الجودة وكأنه يتحدث عن المبدأ، وعن الضمان وكأنه عهد. الحضور الكبير، من رجال أعمال،
وشيفات، ومسؤولين، كان يصغي بإجماعٍ نادر. في عيونهم، كان بريقٌ يقول: "هذا ما
كنا ننتظره". لقد حوّل الكلمات الرسمية إلى قصة جماعية عن التحدي والطموح.
الفانوس في شارع الخمسين)
مع انسكاب ضوء الظهيرة على واجهة المعرض الزجاجية، لم يعد "ستار
شيف" مجرد صالة تجارية. لقد تحول إلى "فانوس" كبير في شارع الخلسين.
فانوس لا ينير فقط مساحة البيع، بل ينير الأفق لما يمكن أن تكون عليه صناعة المطاعم
والضيافة. هو علامة على أن الحياة، بقدر ما تحتمل من صعوبات، فإن إرادة الإبداع والبناء
أقوى. اليوم، كان الحدث أكبر من افتتاح معرض. كان حكاية عن يدٍ تمد الأخرى بأدواتها،
عن حلمٍ يُوضَع بين أيدي القادرين على تحقيقه. وعندما تفرق الحضور الكبير، حمل كلٌ
منهم في جيبه بطاقة دعوة، أو كتالوجاً، ولكن في داخله، حمل شيئاً من هذا الأمل المتجسد
في فولاذ لامع، ينتظر أن يُشعل مواقد الذوق والجمال في كل ركن من أركان الوطن.