اليوم الثاني لمؤتمر طب الأسنان الدولي باليمن – في العمق تحت سطح المينا

  

 


كتب: هلال جزيلان 775036841

اليوم، تحوّلت قاعات مؤتمر "إيدك" إلى ورش عمل حقيقية للعقل واليد. لقد تجاوزت الفعاليات حدود العرض النظري، لتنغمس في التفاصيل الدقيقة التي تشكل فرقاً بين الممارسة الروتينية والتميّز السريري. كان اليوم الثاني هو يوم الغوص في الأعماق.

 

اختفت الصورة الاحتفالية التي ميزت الافتتاح، وحلّ محلها تركيزٌ أشبه ما يكون بتلك الهدوء الذي يسبق العاصفة الإبداعية. انقسم الحضور إلى مجموعات متخصصة، كلٌ في قاعة تهمس بموضوعها. في إحداها، كانت الأبحاث المتقدمة حول علاج الجذور باستخدام الليزر تقدم وكأنها رواية بوليسية، يحاول العلماء فيها حل لغز القضاء على البكتيريا في أضيق القنوات. وفي أخرى، كانت مناقشة أحدث تقنيات زراعة الأسنان الفورية تحاكي حواراً هندسياً دقيقاً، يجمع بين ميكانيكا العظام وبيولوجيا الشفاء.

 

يقول الدكتور عبدالرحمن الشرجي، أحد المشاركين بورقة علمية حول تعويضات الوجه والفكين: "اليوم كان تحدياً مختلفاً. لم نعد نتلقّى المعلومة، بل نحن نناقشها، ننتقد منهجيتها، ونسأل: ماذا بعد؟ الأسئلة الحادة من الزملاء هي التي تصنع الفارق الحقيقي. لقد تحول المؤتمر إلى محكمة علمية، تُختبر فيها الأفكار قبل أن تنتقل إلى عياداتنا".

 

على هامش الجلسات، أصبحت الزوايا والمقاهي الصغيرة داخل المركز نقاط تلاقٍ عفوية. شاب حديث التخرج يشرح لزميل له تقنيةً جديدةً سمع عنها، بينما يستمع أستاذ كبير إلى اقتراحات طالب ماجستير بشغف. العلم هنا لم يكن هرمياً، بل كان سائلاً، يتحرك في كل الاتجاهات. حتى المعرض المصاحب شهد زخماً نوعياً، حيث تجمّع الأطباء حول منصات محددة، يطلبون شروحات عملية للأجهزة، وكأنهم يحاولون ترجمة ما سمعوه في القاعات إلى أدوات ملموسة بين أيديهم.

 

توضح الدكتورة منى سلام، إحدى المشرفات على الجلسات: "الجلسات اليوم كانت تقنية بامتياز. كان التركيز على الـ 'كيف'، وليس فقط على الـ 'ماذا'. هذا هو الغذاء الذي يحتاجه الطبيب الممارس ليخرج من منطقة الراحة، ويتعامل مع الحالات المعقدة بثقة أكبر. ما يحدث هنا هو عملية ترميم حقيقية للمعرفة العملية".

 

ها هو المؤتمر يغوص تحت سطح العناوين الكبيرة، إلى حيث تكمن تفاصيل المهنة. اليوم كان يوم البناء، حجراً حجراً، لصروح الكفاءة المهنية.

 

إرسال تعليق

أحدث أقدم