مؤتمر إيدك لطب الأسنان في صنعاء اليوم الأول

 






كتب: هلال جزيلان 775036841

تحت سقف صنعاء المحاصرة، حيث يخيم ظل التحديات الثقيلة، انبعث نورٌ مختلفٌ هذه الأيام. نورٌ قادمٌ من همسات المِحْفَرِ وصفير الأجهزة، من عقلٍ جماعي رفض أن تنطوي صفحته رغم كل شيء. كان مؤتمر ومعرض إيدك لطب الأسنان يُقام، ليس كفعالية روتينية، بل كحدث وجودي؛ تحدٍّ صامت في وجه حصارٍ ظنّ أنه قادر على تجميد كل مظاهر الحياة والعلم.

 

لم تكن القاعة للعرض وحسب، بل كانت خلية نحل علمية مُلهمة. اجتمع فيها، وكأنهم حجاج إلى معبد المعرفة، وجوهٌ عديدة حملت همّ السنّة الواحدة. كان هناك الأساتذة الكبار، شيواخ العلم، يحملون في عيونهم حكمة السنين وفي أوراقهم بذور المستقبل. وإلى جانبهم، شبابُ الأخصائيين وطلبة الماجستير والدكتوراه، قادمين من محافظات متنائية، نهمهم إلى العلم هو الوقود الذي قطعوا به المسافات. كان الحضور الكثيف نفسه رسالة: أن الحياة تندفع بقوة تحت أنقاض المستحيل.

 

وفي الزاوية، كان المعرض المصاحب يشبه مدينة مصغّرة للتقدم. أجنحة الشركات والمؤسسات وقفت شواهدَ على إرادة الصناعة والتجارة، تقدم أحدث ما أنتجته عقول البشرية من أجهزة ومستلزمات، وكأنها تهمس للأطباء: "أنتم لستم وحدكم.. العلم هنا، والتقنية بين أيديكم".

 

يقف البروفيسور القاسم عباس، رئيس المؤتمر، متأملاً هذا المشهد. صوته حين يتحدث يحمل طبقات من المعنى: "هذا الحشد، هذا الزخم، في ظل هذه الظروف.. هو أكثر من مؤتمر. هو إعلان انتصار على اليأس". ويشرح أن هذا الإنجاز لم يكن سوى ثمرة جهد أشهر طويلة، عملت فيها اللجان والشركات بأقصى طاقتها ليخرج هذا المحفل العلمي في أبهى حلة، تنظيماً ومادةً علمية. الهدف واضح في عينيه: ليس فقط مناقشة أحدث الأبحاث العالمية في طب الأسنان وجراحتها، بل وتشريح آلام مجتمع محلي يعاني من ممارسات خاطئة تفتك بسلامة الأفواه والأسنان، ووضع الحلول بين يدي من يحملون المبضعَ والبَردَقَة.

 

"علمنا لا يتوقف عن التجدد لحظة واحدة"، يقول البروفيسور عباس مؤكداً. "واجبنا أن نلاحقه، وأن نكون جسوراً تعبر بها كل قطرة معرفة جديدة من هذه القاعة إلى عيادة في أقصى الريف، إلى مركز صحي في أبعد منطقة. هذا الحضور الكثيف سيكون ناقلَ تلك النقلة النوعية المنشودة".

 

بين الحضور، يقف الدكتور وهيب أحمد السادة، مختص التركيبات السنية والزراعة، يتأمل مسيرة المؤتمر من نسخته الأولى إلى هذه النسخة الثالثة بتطورها المذهل. "هذه تظاهرة علمية بكل ما للكلمة من معنى"، يقول. "سر نجاحها يكمن في هذا الاقبال الهائل، وفي التنظيم المتقن، والمادة العلمية المختارة بعناية والتي تقدم حقاً صدارة العلم العالمي". ويضيف بفخر واضح: "طب الأسنان في بلدنا ليس متخلفاً، بل هو متقدم ويتفوق على جيران. ومؤتمرات مثل إيدك هي إحدى الدعائم التي تحافظ على هذا التقدم وترفده".

 

من زاوية أخرى، يشارك الدكتور حمود الجبر، ماجستير جراحة الوجه والفكين، نفس الشعور. "هذه فرصتنا الذهبية للتزود بالجديد في كل الاختصاصات"، يقول. "المعرض المصاحب وحده عالم، يفتح لنا نافذة نرى من خلالها ما يستجد من أدوات وتقنيات، ويفتح للشركات بدورها أفاقاً لتقديم الأفضل". ويختصر الرجل الرؤية بكلمات واثقة: "اللقاءات هنا ليست لنقل المعلومة فحسب، بل لتبادل الخبرات وبناء الجسور بين الأطباء أنفسهم، وبينهم وبين الشركات. وأؤكد لكم: طب الأسنان اليمني يواكب أحدث التطورات العالمية، بنسبة مائة بالمائة".

 

هكذا، تحت سماء صنعاء، وفي قاعة مليئة بالهمم، لم يكن الحديث يدور فقط عن حشوات وجذور وزرعات. كان الحديث عن إرادة حيّة، عن علم ينبض وسط الركام، وعن تأكيد أن شعلة المعرفة لا تنطفئ ما دام هناك من يحملون الشموع، ويقطعون المسافات، ويجتمعون تحت سقف واحد، ليهمسوا للعالم أن الحياة - هنا - أقوى.

 

إرسال تعليق

أحدث أقدم