كتب :هلال جزيلان 775036841
في صباح الاول من أكتوبر، حيث تتشابك رائحة البن مع نسمات صنعاء الباردة، لم يكن "حراز كوفي" مجرد مقهى. كان مسرحاً لملحمة وطنية، وعرساً للهوية. هناك، تحت أضواء خافتة تعانق خشب الجدران الدافئ، احتشد نخبة من السياسيين والاقتصاديين والمزارعين، ليس للاحتفال بقهوة، بل لتشييع جثمان "القات" وولادة "ثورة البن" من جديد.
المسرح والوجوه
في قلب "العمادي سنتر"، أكبر مركز للبن في الشرق الأوسط بسعة 1100 مقعد، اصطف الحضور. كان المشير الركن مهدي المشاط غائباً، لكن حضوره الروحي طغى على الكلمات. حضر عضو المجلس السياسي الأعلى محمد النعيمي، وعبدالملك الثور، وأمين جمعان، ومجاهد معصار. لم يكونوا ضيوف شرف. كانوا شهوداً على تحول تاريخي. المشهد لم يكن سياسياً بامتياز، بل كان ثقافياً بامتياز. البن، ذلك الذهب الأحمر، عاد ليتربع على عرش اليمن بعد سنوات من الإهمال.
الكلمة التي أشعلت الثورة
وقف غالب العمادي، رئيس مجلس إدارة "حراز كوفي"، أمام الحشد. لم يتحدث كتاجر، بل كمؤرخ. قال بثقة الواثق: "أطلقنا المشروع في 1 أكتوبر 2022، ليكون بوابة لإعادة مجد البن اليمني الأصيل." كانت كلماته صدى لثورة بدأت قبل خمس سنوات. لم تكن مجرد تجارة. كانت مقاومة. مقاومة لشجرة القات التي سرقت الأرض، ومقاومة للحصار الذي سرق المستقبل. أشار محمد القاسمي، رئيس اللجنة التحضيرية، إلى أن إنتاج البن ارتفع، والصادرات نمت، وعدد الشركات تضاعف. أرقام لم تكن في تقرير اقتصادي، بل في قصيدة ملحمية.
الأوبريت والزامل
لم تكن الفعالية خطابات جافة. تخللتها فقرات فنية وتراثية، وأوبريت وزامل، عكست مكانة البن في الذاكرة اليمنية. تخيل صوت المزمار يختلط بضجيج ماكينات التحميص. تخيل ألوان الأزياء التقليدية تعانق ألوان حبوب البن الخضراء. كان الحضور يرقصون على إيقاع "موكا" اليمني. لم يكن رقصاً، بل احتفالاً بالهوية. كل زغرودة كانت تصرخ: "عدنا يا عالم."
الرمز والوعد
في نهاية الفعالية، لم يوزع المنظمون منشورات دعائية. وزعوا أكثر من 500 شتلة بن على الحاضرين. كانت هذه الشتلات ليست هدايا، بل أمانة. كل شتلة كانت وعداً بمستقبل أخضر. وعداً بأن اليمن سيعود إلى خريطة القهوة العالمية. وعداً بأن "حراز كوفي" ليس مجرد مقهى، بل هو "ثورة البن" التي لا تنطفئ.
ما لم يكتبه أحد
التقارير الصحفية كتبت عن الأرقام. عن الحضور. عن الافتتاح. لكنها لم تكتب عن الدموع الخفية في عيون مزارع من حراز، رأى في هذه الفعالية انتصاراً لسنوات من العرق. لم تكتب عن الصمت الذي خيّم عندما تحدث النعيمي عن "التحديات" و"الحصار". لم تكتب عن الرجاء في صوت شاب يحمل شتلة بن، وكأنه يحمل رضيعاً.
في "حراز كافي"، لم يكن البن مجرد مشروب. كان دم اليمن. كان ذاكرته. كان مستقبله. وتلك الليلة، في الأول من أكتوبر، شرب اليمنيون فنجاناً من الكرامة.
