كتب: هلال جزيلان 775036841
في مثل هذا اليوم، قبل تسعة وأربعين عاماً، توقف قلبٌ في صنعاء، لكنه لم يسقط من الذاكرة. اغتيل الرئيس إبراهيم محمد الحمدي، ومعه أخوه عبد الله، في جريمة ما زالت الجرح المفتوح في جسد اليمن الحديث. واليوم، عادت صنعاء إلى ساحة الذكرى، لا لتؤبن، بل لتصرخ في وجه النسيان: “الحمدي لم يمت… مشروعه ما زال يقاوم”.
وسط حضور شعبي ورسمي، وأجواء يغلفها الحزن والغضب معاً، أقيمت فعالية تأبينية في العاصمة صنعاء، بمناسبة الذكرى الـ49 لاغتيال الرئيس الحمدي. وضعت أكاليل الزهور على القبرين، وقُرئت الفاتحة على روحين ما زالتا تسكنان وجدان اليمنيين، ثم توالت الكلمات: كلمة للواء الكهالي، وكلمة لعضو المكتب السياسي لأنصار الله، وكلمة للشيخ ضيف الله رسام رئيس التلاحم القبلي. ثلاث كلمات، وثلاث زوايا، لكنها جميعاً التقت على حقيقة واحدة: أن اغتيال الحمدي لم يكن مجرد جريمة سياسية، بل كان اغتيالاً لحلم دولة مدنية حديثة، ومشروع وحدوي كان يريد أن ينهض باليمن خارج الوصاية.
أولاً: المشهد… حين يتحول القبر إلى منصة
منذ الصباح، كانت الوجوه تتقاطر إلى مكان الفعالية، يحملون الزهور كما يُحمل العهد، وتعلو أصواتهم بشعارات الحرية والجمهورية. لم تكن الذكرى مجرد موعد سنوي، بل كانت وقفة احتجاجية على جريمة لم يُكشف كل ملابساتها بعد. بدت المدينة وكأنها تتنفس وجعاً قديماً، وكأن القبرين لم يكونا مكاناً للرحيل، بل منصة لخطاب سياسي طويل، ما زال ينتظر نهايته.
وُضع إكليلان من الزهور، وقرئت الفاتحة، ثم بدأت الكلمات. كانت كل كلمة أشبه بفصل من رواية لم تُكتب بعد. رواية بطلها رئيس أُغتيل، وخصومه كثر، وشهوده غائبون، وذاكرته تتسع كل عام.
ثانياً: اللواء الكهالي… “الدم لم يجف بعد”
كانت الكلمة الأولى للواء الكهالي، الذي تحدث بصوت يختلط فيه الحزن بالغضب. قال إن اغتيال الرئيس الحمدي عام 1977م لم يكن استهدافاً لشخص، بل كان استهدافاً لدولة كاملة، ومشروع وحدوي كان يريد أن يرفع اليمن من تحت العباءة الخارجية. وأضاف أن الجريمة لم تكن معزولة عن سياقها الإقليمي، وأن أيادٍ خارجية، وعلى رأسها النظام السعودي، كانت وراء التخطيط لها وتنفيذها عبر أدوات محلية.
“الدم لم يجف بعد”، بهذه العبارة لخّص اللواء الكهالي جوهر الذكرى. وقال إن الجرح الذي فُتح في 11 أكتوبر 1977 ما زال ينزف تحت الجلد اليمني، وإن إحياء الذكرى ليس طقساً عاطفياً، بل موقف سياسي يطالب بفتح ملف الاغتيال كاملاً، وكشف المتورطين، وتقديمهم للعدالة. كما دعا أبناء المحافظات الجنوبية إلى التنبه للمؤامرات التي تستهدف وحدة اليمن، مؤكداً أن ما جرى للحمدي هو ذاته ما يُحاك اليوم بأشكال مختلفة.
ثالثاً: عضو المكتب السياسي لأنصار الله… “ذاكرة المقاومة لا تُقبر”
ثم جاءت كلمة عضو المكتب السياسي لأنصار الله، التي حملت بعداً سياسياً وتحليلياً. تحدث عن أن اغتيال الحمدي لم يكن حدثاً عابراً، بل كان حلقة في سلسلة طويلة من استهداف اليمن المستقل. وقال إن ما جرى عام 1977 يتكرر اليوم بأدوات أخرى، وبأساليب أكثر تعقيداً، لكن الهدف واحد: إخضاع اليمن وإبقاءه تحت الوصاية.
وشدد على أن الوفاء لدماء الحمدي لا يكون بالكلمات، بل بالتمسك بخيار السيادة، ورفض الوصاية، والدفاع عن الوحدة الوطنية. واعتبر أن الحاضرين في الذكرى ليسوا مجرد جمهور، بل “كتيبة من الذاكرة” ترفض أن تُدفن الحقيقة في مقبرة الشهداء. وقال إن تجربة الحمدي، بما حملته من نزاهة وانضباط وعدالة، ما زالت مدرسة يجب أن تُستعاد، لا أن تُنسى.
رابعاً: الشيخ ضيف الله رسام… “الشهادة مدرسة لا تنتهي”
ثم كانت الكلمة الثالثة، للشيخ ضيف الله رسام، رئيس التلاحم القبلي. جاءت كلمته بروح قبلية تجمع بين الفخر والتهديد، وبين الوفاء والاستعداد. قال إن إحياء ذكرى الحمدي ليس مجرد طقس سنوي، بل هو تجديد للعهد مع كل شهيد سقط في سبيل هذا الوطن. وربط بين اغتيال الحمدي واغتيال الرئيس صالح الصماد، معتبراً أن اليد نفسها التي امتدت إلى الحمدي هي التي امتدت لاحقاً إلى الصماد، وأن العقل نفسه الذي خطط للجريمة الأولى هو الذي يخطط اليوم لتمزيق اليمن.
وأضاف الشيخ ضيف الله رسام أن القبائل التي يمثلها كانت ولا تزال في قلب المشروع الوطني، وأنها جاهزة للدفاع عن صنعاء وعن اليمن كما دافعت عن الحمدي. وقال بلهجة واثقة: “من ظن أن الذكرى تنسى، فليأتِ إلى مقبرة الشهداء غداً، وسيرى أن الحمدي لم يمت، بل ما زال يقود من قبره”. وأكد أن التلاحم القبلي سيبقى سداً في وجه كل من يحاول العبث بالوحدة الوطنية أو تمزيق النسيج الاجتماعي.
خامساً: بين الكلمات… سيمفونية الوجع
بين كلمة وأخرى، كان هناك من يقرأ الفاتحة بصوت خفيض، ومن يمسح دمعة تكاد لا تُرى، ومن يرفع لافتة كتب عليها: “الحمدي… مشروعك لم يمت”. كانت الفعالية أقرب إلى مسرح سياسي مفتوح، حيث أدى كل متحدث دوره في ملحمة الحزن والغضب. اختلفت النبرات، لكنها اتفقت جميعاً على أن الحمدي لم يكن مجرد رئيس أُغتيل، بل كان حلماً أُجهض في لحظة فارقة من تاريخ اليمن.
خاتمة… ما تبقى بعد الرحيل
مع انتهاء الكلمات، ووضع أكاليل الزهور على القبرين، وقراءة الفاتحة على روحين عاشتا وماتتا من أجل اليمن، غادر الحاضرون وهم يحملون سؤالاً واحداً: هل يمكن أن تعود الدولة المدنية التي حلم بها الحمدي؟ ربما لا يملك أحد إجابة واضحة، لكن ما هو مؤكد أن الذكرى الـ49 لم تكن مجرد استعادة للماضي، بل كانت مرآة تنظر فيها اليمن إلى حاضرها، فترى فيه خيالاً مكسوراً، وحلماً يرفض أن يموت.
وفي مقبرة الشهداء، حيث يرقد الحمدي وشقيقه عبد الله، يبقى الزمن واقفاً، والجرح مفتوحاً، والوعد معلقاً بين السماء والأرض… حتى يتحقق ما استُشهدا من أجله.

