بقلم: هلال محمد جزيلان 775036841
في قاعةٍ تحاصرها همومُ الاقتصاد وثقُلُ الحصار، وعلى مقربةٍ من قلب العاصمة صنعاء الذي ينبض رغم كل شيء، التقى صباح اليوم نخبةٌ من القضاة والحقوقيين ورجال المال والأعمال، في ندوةٍ وطنيةٍ حملت عنواناً ثقيلاً بقدر ما تحمله المرحلة من أثقال: دور المنظومة القضائية والحقوقية في تعزيز بيئة الأعمال التجارية والصناعية. كانت الندوةُ التي نظّمتها الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بالشراكة مع الغرفة التجارية الصناعية بأمانة العاصمة، أشبهُ بمحاولةٍ جادّةٍ لصياغة عقدٍ جديدٍ بين القضاء والاقتصاد، عقدٍ يُعيد للثقة رشدها، وللإنتاج دفّته، وللمستثمر طمأنينته.
المشهد الأول: حين يتحدث العدل بلغة الاقتصاد
في الافتتاح، وقف نائبُ وزير العدل وحقوق الإنسان القاضي إبراهيم الشامي، يحمل همّاً يتجاوز حدودَ الكلمات، ليعلن بصراحةٍ أن وزارته "تولي المحاكم القضائية والتجارية اهتماماً خاصاً لتسريع الإجراءات والحد من إطالة أمد التقاضي، إلى جانب دعم مراكز التحكيم والوساطة التجارية بالتعاون مع الغرفة التجارية".
لم تكن كلماته مجردَ تصريحٍ رسمي، بل كانت إعلانَ نيّةٍ واضحاً حين قال إن الندوة "تأتي لترجمة التوجيهات القيادية وبرنامج الحكومة في تعزيز التكامل بين منظومة القضاء ومجتمع المال والأعمال"، قبل أن يُشيد "بالدور الوطني للقطاع الخاص ورجال الأعمال في مواجهة الحرب الاقتصادية والحصار".
وفي لحظةٍ بدت فيها القاعةُ أكثرَ إنصاتاً، أكد الشامي أن "توفير الأمان القضائي والحقوقي هو الضامن الأساسي لاستقرار رؤوس الأموال وتنمية البيئة الاستثمارية"، مشدّداً على "أهمية نشر الثقافة الحقوقية وتعزيز الوعي بالقوانين المنظمة للعمل وحقوق الإنسان في البيئة التجارية، ومواءمة مفاهيم صون الحقوق مع متطلبات التنمية لإيجاد بيئة أعمال يمنية رائدة تسودها العدالة في علاقات الإنتاج، وتحفظ حقوق العمال والمستهلكين والمستثمرين على حدٍّ سواء".
ثم أضاف وعداً يحملُ طابعَ الالتزام: "الوزارة ستعمل على ترجمة مخرجات وتوصيات الندوة إلى خطوات عملية تخدم الاقتصاد الوطني"، واختتم شكرَه لـ"جهود الغرفة التجارية بالأمانة وهيئة حقوق الإنسان واللجان المنظمة".
المشهد الثاني: صوت الحقوق يعلو فوق ضجيج الأزمة
وبحضور وكيل وزارة الإعلام محمد منصور، جاءت كلمةُ رئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان علي تيسير لتضع النقاطَ فوق الحروف، حين اعتبر أن "سيادة القانون والأمان القضائي مؤشرٌ حقيقيٌ لمستقبل أي اقتصاد".
لم تكن عباراته عابرة، بل شدّد بوضوحٍ على أنه "لا يمكن تحقيق استثمار ناجح أو مستدام دون قضاء ناجز وحماية حقوقية متكاملة لرؤوس الأموال والمنشآت الاقتصادية"، لافتاً إلى أن "حماية الصانع والتاجر الشريف تقع في صُلب مفهوم الحق في التنمية والعمل، وهو حق أصيل كفلته الشريعة الإسلامية والدستور والقوانين الوطنية".
ثم انتقل تيسير من لغة القانون إلى لغة الاعتراف، حين نَوَّه "بدور القطاع الخاص اليمني وثباته في فتح المصانع واستمرار الإنتاج رغم الحصار والحرب الاقتصادية طيلة السنوات الماضية"، مؤكداً أن "هذا الصمود يحظى ببالغ التقدير من القيادة الثورية والسياسية".
المشهد الثالث: التاجر الذي يطلب عدلاً لا شفقة
أما نائبُ رئيس الغرفة التجارية الصناعية بالأمانة محمد صلاح، فقد جاء صوته حاملاً همومَ طبقةٍ كاملةٍ من رجال الأعمال الذين ظلّوا ينتظرون عدلاً يُنصفهم، حين أكد أن "العدالة وسيادة القانون هما الركيزة الأساسية لحماية النشاط الاقتصادي وتحفيز الاستثمار".
وشدّد صلاح على أن "حماية القطاع الخاص والمنشآت الاقتصادية ضرورة وطنية واجتماعية تمس كل مواطن وتصون الدورة الاقتصادية"، موضحاً أن "القضاء العادل والسريع هو الضمانة الأولى لشحن الثقة وتشجيع رؤوس الأموال".
ولم يكتفِ بالكلام، بل دعا إلى "الخروج بتوصيات إجرائية عملية، وفي مقدمتها تفعيل آليات الوساطة والتحكيم التجاري، وتشكيل لجنة مشتركة تضم السلطة القضائية والغرفة التجارية والهيئة الوطنية لحقوق الإنسان للوقوف على المعوقات الإجرائية وحلها"، مؤكداً "استعداد الغرفة الكامل للعمل مع مؤسسات الدولة بما يضمن استمرار دوران عجلة الإنتاج".
المشهد الرابع: أوراقٌ تُشبه خارطة طريق
ثم جاءت أوراقُ العمل لترسمَ ملامحَ الطريق. الأولى، بعنوان "سيادة القانون وأثرها على الأعمال التجارية والصناعية والاستثمار – مقاربة فضائية وحقوقية"، قدّمها رئيسُ محكمتي الجمارك والضرائب الابتدائيتين القاضي معين العزيزي.
أما الثانية، فحملت عنوان "حقوق الإنسان في سياق الأعمال التجارية.. مسؤولية التجار والمستثمرين واحترام الحقوق"، وقدّمها خبيرُ حقوق الإنسان مناف الصلاح.
وجاءت الثالثة من الدكتورة رنا الجعوني من إدارة البرامج والمشاريع بالغرفة التجارية الصناعية بالأمانة العاصمة، عن "واقع بيئة الأعمال ودور القضاء وحقوق الإنسان – تقديم إشكالية التكامل".
فيما تمحورت الرابعة حول "القضاء التجاري وتسوية النزاعات وبدائلها في ضوء حقوق الإنسان"، وقدّمها مديرُ المركز اليمني الدولي للتحكيم والتوفيق التجاري بالغرفة ونائبُ عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء الدكتور محمد المحبشي.
واختُتمت الأوراق بالخامسة عن "سيادة القانون وأثرها على الأعمال التجارية والصناعية والاستثمار – مقاربة قضائية وحقوقية"، قدّمها قاضي المحكمة التجارية الابتدائية عبدالمجيد عقبات.
المشهد الخامس: توصياتٌ تبحث عن طريقها إلى التنفيذ
ثم جاءت التوصياتُ، لا كأمنياتٍ بل كخطواتٍ مطلوبةٍ بإلحاح: تبسيط الإجراءات الحكومية، والحد من تداخل الاختصاصات وتكرار الرسوم والمتطلبات، وتطوير الخدمات الإلكترونية والربط بين قواعد البيانات الحكومية والتجارية.
وطالبت الندوةُ بـتطوير مشروع الرخصة التجارية الموحدة، ودراسة الربط الإلكتروني بين التراخيص البلدية وبيانات العضوية بالغرفة، ومراجعة التشريعات ذات الصلة بما يدعم دور الغرفة في تنظيم النشاط التجاري وخدمة أعضائها وفقاً للقوانين النافذة.
وشدّدت على تسريع الفصل في المنازعات التجارية والاستثمارية وتنفيذ الأحكام، ودعم المركز اليمني الدولي للتحكيم والتوفيق التجاري بالغرفة، وتعزيز حماية الملكية والحقوق التعاقدية، ومكافحة الاحتيال والغش التجاري، ومعالجة معوقات التمويل والطاقة ومدخلات الإنتاج والخدمات اللوجستية.
وأكدت التوصياتُ "أهمية تعزيز الشفافية في القرارات الاقتصادية والإدارية، وترسيخ احترام حقوق الإنسان في بيئة الأعمال، ودعم الإنتاج المحلي"، إلى جانب تشكيل آلية تنسيقية مشتركة تضم الجهات الحكومية والقضائية والحقوقية والغرفة التجارية وممثلي القطاع الخاص.
ودعت إلى إعداد خطة تنفيذية تحدد الجهات المسؤولة والجداول الزمنية ومؤشرات الإنجاز، "بما يضمن متابعة التوصيات وتقييم نتائجها وتحويلها إلى إجراءات عملية تسهم في تحسين بيئة الأعمال وتعزيز استقرار الاستثمار والإنتاج، وتوسيع فرص العمل".
الخاتمة: حين تُغلق الندوة أبوابها.. يبدأ العمل
هكذا، بين كلماتٍ حملت همَّ العدالة، وأخرى حملت همَّ الاقتصاد، وأوراقٍ بحثت عن لقاءٍ بين الحق والمال، اختُتمت الندوةُ التي "أُثريت بنقاشاتٍ ومقترحاتٍ لتطوير بيئة الأعمال". لكن السؤال الذي يبقى معلقاً في الهواء، كما يبقى كلُّ سؤالٍ وطنيٍّ كبير: هل تتحول هذه التوصياتُ إلى واقعٍ يُلمس، أم تبقى حبراً على ورق؟
الندوةُ انتهت. لكن الاختبارَ الحقيقي لم يبدأ بعد.
