Pages

عاجل

الصفحات

. من رماد الاعتداء إلى رحيق السدر: حلمي المرهبي يفتح فرعه الثالث في صنعاء

. من رماد الاعتداء إلى رحيق السدر: حلمي المرهبي يفتح فرعه الثالث في صنعاء






كتب: هلال جزيلان 775036841

في مدينةٍ اعتادت أن تُولد من رحم الألم، وتُشرق رغم كل ش


يء، وقفت اليوم واجهة زجاجية جديدة في قلب العاصمة صنعاء، تُعلن بصمتٍ واثقٍ أن الحكاية لم

تنتهِ بعد. إنها واجهة فرع "حلمي للعسل اليمني" الثالث، الذي افتُتح اليوم، ليكون شاهداً جديداً على أن رائحة السدر الجبلي لا تزال أقوى من دخان الحروب.


رجلٌ يعرف معنى الانتظار


قبل عشرين عاماً، بدأ حلمي المرهبي رحلته، ليس كتاجرٍ يبحث عن الربح، بل كحاملٍ لأمانةٍ ظل يحرسها بكل ما أوتي من قوة.  من محلٍّ بسيط في شارع حدة، إلى علامةٍ تجاريةٍ تجاوزت حدود اليمن، ظل الرجل مخلصاً لفكرةٍ واحدة: أن العسل اليمني ليس مجرد سلعة، بل هوية، وكرامة، وتاريخٌ يقطر ذهباً. اليوم، وبعد فرعين – الفرع الرئيسي في شارع حدة بجولة فلسطين، وفرع محافظة إب على الشارع الدائري – يأتي الفرع الثالث ليكتب فصلاً جديداً في سيرةٍ لم تعرف الاستسلام. 


جرحٌ لا يزيده إلا صلابة


لم تكن الطريق إلى هذا اليوم مفروشةً بالورد. في عام 2023، تعرض محل "حلمي للعسل" في شارع حدة لهجومٍ بقنبلة يدوية من قبل مجهولين. لم تكن الصدمة في الخسائر المادية، بل في الإرادة التي حاولوا كسرها. لكن المرهبي، الذي واجه الهجوم بكلماتٍ هادئة وشكرٍ لكل من سأل، أدرك أن ما يبنيه ليس مجرد متجر، بل مكانةٌ في قلوب الناس لا يمكن أن تُقصف بقنبلة. وحين تكرر الاعتداء لاحقاً، لم يتراجع. بل زاد إصراره على أن صنعاء، رغم الجرح، ما زالت تستحق أن تُفرش بالعسل لا بالحجارة.


رجلٌ وقف مع الناس


في عام 2021، وفي ظل أوضاعٍ معيشية خانقة كان يكابدها اليمنيون، قرر حلمي المرهبي أن يفتح أبواب محله مجاناً للأسر غير القادرة على توفير "جعالة العيد". كانت لفتةً صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة في معناها. اختزل الرجل فلسفته بكلمتين: "الناس للناس". لم يكن يبحث عن صورٍ تذاع، بل كان يبحث عن فرحةٍ تُرسم على وجه طفلٍ لم يعرف العيد سوى بالاسم.


ليلة الافتتاح


في مساء اليوم، وقف المرهبي عند مدخل فرعه الثالث، مبتسماً ابتسامةً يختلط فيها التعب بالفرح، والألم بالفخر. كانت الوجوه تتقاطر عليه: التجار، والموظفون، والأصدقاء، والغرباء الذين سمعوا الحكاية وأرادوا أن يكونوا جزءاً منها. لم يكن الحضور مجرد ضيوف شرف، بل كانوا شهوداً على أن صمود رجلٍ واحد يمكن أن يلهم مدينةً بأكملها.


قال لي أحد الحاضرين: "أنا لا أشتري العسل من هنا فقط. أنا أشتري قصةَ رجلٍ لم يستسلم." كانت جملته أصدق من أي كلمةٍ كتبتها.


العسل الذي لا يشبه غيره


في الداخل، رفوفٌ مصفوفة كالجواهر: عسل السدر الجبلي، والعصيمي، والدوعني، وعسل الصال، وعسل السمر. لكل نوعٍ حكاية، ولكل برطمانٍ موسمٌ كامل من صبر النحالين، الذين يصعدون الجبال قبل الفجر، ويعودون محمّلين بنectar الجبال. على الموقع الرسمي للعلامة، كُتب: "من الشغف الميداني البسيط إلى الريادة الرقمية والفخامة العالمية." لكن الأهم من الفخامة هو الثقة التي بُنيت على مدى عشرين عاماً.


خاتمة: ما زال هناك من يبيع الأمل


حين انتهت الليلة، وبدأ الناس يتفرقون، وقف حلمي المرهبي وحيداً أمام واجهة محله الجديد. سألته: ماذا يعني لك الفرع الثالث؟ نظر إلى الأفق، حيث تتراقص أضواء صنعاء على حجارة البيوت القديمة، وقال:


"الفرع الثالث يعني أننا ما زلنا واقفين. يعني أن كل قنبلةٍ ألقوها علينا، صنعنا من رمادها برطمان عسلٍ جديد. الناس هنا تحب الحياة. وأنا أحب أن أُذكرهم أن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت حلوة."


في صنعاء، حيث يتشابك ألم التاريخ مع عبق السدر، افتُتح اليوم فرعٌ جديد. ليس مجرد متجر، بل رسالة: أن هذا البلد، مهما تعب، ما زال هناك من يبيع العسل كأنه يصلي.


مراسلكم في صنعاء

حيث يقطر الجبل ذهباً، ويبقى الإنسان أجمل من كل شيء