عاجل

الصفحات

الاقتصاد اليمني يفضح جراح 12 عاماً من الحصار.. وتريليون دولار ثمناً لصمود شعب وزارة الاقتصاد تنظم مؤتمرًا صحفيًا ومعرض صور حول الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحصار السعودي

الاقتصاد اليمني يفضح جراح 12 عاماً من الحصار.. وتريليون دولار ثمناً لصمود شعب وزارة الاقتصاد تنظم مؤتمرًا صحفيًا ومعرض صور حول الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحصار السعودي

 








صنعاء ــ تحرير: (هلال جزيلان)

في قلب العاصمة صنعاء، حيث تتنفس الجدران ألم السنوات العجاف، وقف التاريخ على مسرح قاعة "طوفان الأقصى" بجامعة صنعاء ليُدوِّن فصولاً من أقسى ما مرَّ على اليمن في عصرها الحديث. لم تكن قاعة المؤتمر مجرد فضاء لأرقام وجداول، بل كانت أشبه بمحكمةٍ مفتوحةٍ تُقدِّم فيها البنى التحتية شهاداتها، وتفضح الموانئ والمطارات والمصانع جراحها التي لم تندمل منذ 12 عاماً من العدوان والحصار السعودي الأمريكي.

المؤتمر الصحفي الذي نظمته وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار، بعنوان "الاقتصاد اليمني تحت الحصار السعودي.. مؤشرات وأرقام"، لم يكن مجرد فعالية عابرة، بل كان صرخةً مدويةً في وجه العالم، تُعلن أن اليمن لم يُنهب فقط أرضه وثرواته، بل أُرهق إنسانه حتى الرمق الأخير.


1.13 تريليون دولار.. رقمٌ يصرخُ في وجه الصمت الدولي

وقفت الأرقام عاريةً أمام الحضور، حين أعلن القائم بأعمال وزير الاقتصاد والصناعة والاستثمار سام البشيري، بكلماتٍ تَقطَّرُ وجعاً، أن خسائر الاقتصاد اليمني جراء الحصار تجاوزت 1.13 تريليون دولار. رقمٌ كونيٌّ بحجم مجرة، لكنه يختزلُ في ثناياه دموع أطفالٍ وجوع أرامل، وابتساماتٍ محاها القصف، ومستقبلٍ سرقه الغبار.

وقال البشيري، والنبرةُ تخنقُه بين حروف الصبر والتحدي: "إن الفعالية تمثل جهدًا علميًا وتوثيقيًا لرصد واحدة من أكثر المراحل تأثيرًا في تاريخ الاقتصاد اليمني الحديث، وتستند إلى البيانات والإحصاءات الرسمية".

لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى يؤكد أن هذا التقرير الذي بين أيدينا: "ليس مجرد عرض أرقام وحصر خسائر مادية فحسب، بل هو شهادة تاريخية توثق ما تعرض له الاقتصاد اليمني من تدمير وحصار ممنهج من قبل العدو السعودي خلال 12 عامًا، طال الإنسان والأرض والبنية التحتية وموارد الدولة وقطاعاتها الإنتاجية والخدمية، وما ترتب على ذلك من آثار عميقة على الشعب اليمني".

كلمات البشيري كانت كالوميض الذي يكشف عن مشهدٍ خلفه القتامة: 111 مليار دولار تبخَّرت من التجارة الخارجية، و82.5 ملياراً ذهبت أدراج الرياح في الصناعة، و111 ملياراً أخرى انهارت مع كل حبة قمح لم تُزرع في الزراعة والثروة الحيوانية، و57 ملياراً سُحبت من باطن الأرض في قطاع النفط والمعادن.. وكأن العدوان كان يضرب كل قطاعٍ في مقتل، حتى أصبحت كلُّ زاويةٍ في الاقتصاد الوطني تحمل ندبةً لا تُمحى.


حين يتحوّلُ الحصارُ إلى إعدامٍ جماعيٍّ بالجوع

لم تكن الأرقام جامدةً على شاشات العرض، بل كانت تنبضُ بروح 31 مليون يمني، تجمعهم اليوم مواجهةٌ واحدةٌ: خطر المجاعة. البشيري أشارَ هنا إلى الجرح الأعمق، حين قال إن الاستهدافات طالت المطارات والموانئ والطرق والمصانع ومحطات الكهرباء ومنشآت المياه، فتعطل الإنتاج، وارتفعت تكاليف النقل والتجارة، وتراجعت الاستثمارات، وانطفأت مئات الآلاف من فرص العمل كشمعةٍ في عاصفة.

المشهد الإنساني الذي يتشكل خلف كل رقم كان حاضراً بقوة، حين تحدث عن أن كل ذلك "انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطن ومستوى معيشته، حيث أصبح اليوم أكثر من 31 مليون مواطن يمني يواجهون خطر المجاعة". جملةٌ ليست مجرد إحصاء، بل هي صرخةُ أمٍ تبحثُ عن رغيف، وطفلٍ يسأل عن غدائه، وشعبٍ يصارع الموت بصبرٍ أيوبي.


تفويضٌ مليونيٌّ ومعادلةُ "الحصار بالحصار"

لكن اليمن، الذي تعوَّد على النهوض من رماده، لم يقف مكتوف الأيدي. في خضمِّ الفعالية، كان الباحث في الثقافة القرآنية يحيى أبو عواضة شاهِداً على نبض الشارع، حيث استعرض تداعيات العدوان، مشيراً إلى أن العدو السعودي لا يزال مُصِرّاً على تعنته وإيذاء الشعب اليمني.

ثم التفتَ أبو عواضة إلى المشهد الشعبي الأكبر، متحدثاً عن المسيرات المليونية التي هزّت العاصمة صنعاء والمحافظات، حين خرج الملايين في لحظة تاريخية غير مسبوقة، ليس فقط للتفويض، بل ليقولوا للعالم بأصواتهم المدوية: نحن هنا، ولن نركع. وأعلنوا تفويض قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي باتخاذ القرارات المناسبة لكسر الحصار، وفرض معادلة "الحصار بالحصار"، والاستعداد للتصعيد الشامل.

وهنا، وقف البشيري ليؤكد هذه الروح الصامدة، قائلاً بثقةٍ لا تهادن: "إن الشعب اليمني لن يسكت ولن يتنازل على حقوقه المشروعة وسيقف إلى جانب قائد الثورة والقوات المسلحة اليمنية لفرض معادلة الحصار بالحصار وانتزاع كامل حقوقه المشروعة". كلماتٌ أشبه بقسمٍ وطنيٍّ، يعلن أن اليمن لم تضعفها الجراح، بل زادتها إصراراً.


أرقامٌ تبكي.. وقصصٌ إنسانيةٌ لا تُنسى

الفعالية لم تكن أبداً تقليدية. فقد امتزجت الأرقام باللوحات، وبكت الأضواء مع الأفلام التوثيقية. فإلى جانب المؤتمر الصحفي، افتُتح معرضٌ للصور والفن التشكيلي، جسَّدَ بألوانه وأحجامه فداحة الخسائر، وكأن كلَّ لوحة تحكي حكايةً لمدينةٍ دمِّرت، أو ميناءٍ شلَّ، أو أسرةٍ شرّدت.

وفي زاويةٍ أخرى من القاعة، عُرض فيلمٌ وثائقيٌّ يُسقط الخسائر الاقتصادية على أرض الواقع الإنساني، ليُذكّر الحاضرين أن خلف كل نقطة مئوية في جدولٍ ما، هناك عائلةٌ تئن، وطفلٌ يحلم بسقفٍ يأويه.

الخبير الاقتصادي سليم الجعدبي، كان هو صاحب الصوت الذي روى هذه الحكاية بالأرقام، حين قدّم البيان الصحفي وسرد أبرز المؤشرات حول الخسائر المباشرة وغير المباشرة، وما خلّفته من تداعيات كارثية هزّت الجانب الإنساني في البلاد.


حضورٌ رسميٌّ وشعبيٌّ.. والكلُّ يقرأُ شهادةَ اليمن

المؤتمر والمعرض، اللذان امتدّا على مدى ثلاثة أيام، شهدا حضوراً لافتاً للرموز الوطنية، حيث حضر وزيرا النقل والأشغال العامة محمد قحيم، والنفط والمعادن الدكتور عبدالله الأمير، والقائم بأعمال وزير الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية عمار الكريم، ورئيس لجنة الصناعة والتجارة بمجلس النواب قاسم الحظا، إضافة إلى نائبي وزيري الكهرباء والعدل، ووكيل وزارة الاقتصاد، ورئيس الهيئة العامة للاستثمار، وعضو المكتب السياسي لأنصار الله ضيف الله الشامي، وجمعٍ غفير من المدراء والباحثين والأكاديميين وطلاب الجامعات الذين ملأوا القاعة، ليس فقط لمشاهدة الأرقام، بل ليشهدوا على تاريخٍ يُكتبُ بالدم والدموع والأمل.

واختتم البشيري كلمته بتطلعٍ إلى المستقبل، معرباً عن أمله في أن تمثل هذه الفعالية منصة للحوار العلمي والمسؤول، وفرصة لتبادل الرؤى حول سبل معالجة آثار هذه الخسائر، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الوطنية، بما يخدم مستقبل الاقتصاد اليمني ويعزز قدرته على التعافي والنهوض. دعوةٌ للنور وسط كلِّ هذا الظلام، وإعلانٌ أن اليمن، حتى وهي تنزف، ما زالت تحلم بالغد.