عاجل
إطلاق منتج ليدر الجديد من شركة رويان في العاصمة صنعاء | افتتاح معرض ناتكو للسيارات في جولة عمران | يمن موبايل تعقد جمعيتها العمومية | ملتقى علمي حول الحمض النووي في صنعاء | إطلاق منتج ليدر الجديد من شركة رويان في العاصمة صنعاء | افتتاح معرض ناتكو للسيارات في جولة عمران | يمن موبايل تعقد جمعيتها العمومية | ملتقى علمي حول الحمض النووي في صنعاء |

مختبرات الصحة تُدخل أول جهاز آلي لفحص البول في اليمن من توريد شركة "ناتكو الرازي المحدودة"

 



صنعاء –  هلال جزيلان

في زاوية هادئة من مبنى يضج بالأمل والوجع معًا، حدث شيء قد لا يلتفت إليه المارة في الشارع، لكنه في عوالم الطب والمختبرات يُشبه ثورة صامتة. المركز الوطني لمختبرات الصحة المركزية بصنعاء، ذلك الصرح الذي طالما كان خط الدفاع الأول في مواجهة أوبئة البلاد وأمراضها، فتح أبوابه صباحًا لا لاستقبال عينات دم أو مسحات وبائية، بل لاستقبال عيون الأطباء أنفسهم.

كانت الورشة التعريفية التي نظمها المركز أشبه بمحفل علمي مصغر. أساتذة كلية الطب بجامعة صنعاء، الاستشاريون، الكيميائيون، والمختصون، كلهم جاؤوا ليروا بأعينهم جهازًا سمعوا عنه ولم يلمسوه، جهازًا يختزل بلغة الأرقام والمنحنيات ما كانت تفعله العين البشرية والمجاهر التقليدية في ساعات طوال. إنه جهاز "أدفانس يورن انلايزر"، أول جهاز آلي متكامل لفحص البول يدخل اليمن، وتقف وراء توريده شركة "ناتكو الرازي المحدودة"، تلك الشركة التي راهنت على أن الصحة تستحق أفضل التقنيات مهما كانت الظروف.

الحرازي: الجهاز سيُحدث نقلة في تشخيص أمراض الكلى

وقف الدكتور عبد الإله الحرازي، مدير عام مختبرات الصحة العامة المركزية، وسط الجمع، لم يتحدث كثيرًا، لكن كل كلمة نطق بها كانت تقطر دقة العالم وإيمان المسؤول. قال الحرازي لـ"26 سبتمبر نت": "إن الهدف من هذه الورشة التعرف واستطلاع آراء الاخصائيين والاستشاريين والكيميائيين وأساتذة كلية الطب بجامعة صنعاء حول فعالية وجدوى هذا الجهاز."

ثم تابع الحرازي، وصوته يحمل نبرة العارف بقيمة ما يُعلن: "إنه يعد أول جهاز في اليمن بهذه الكفاءة، وبفضل الله تعالى سيقدم خدمة كمية ونوعية متميزة خاصة لمرضى الكلى."

ثورة في أنبوب الاختبار: من المجهر إلى الذكاء الاصطناعي

في العادة، كان فحص البول يتم يدويًا. تقف الممرضة أو فني المختبر أمام المجهر، تعد الخلايا، تبحث عن الأسطوانات الشفافة، تراقب البلورات، وقد تغفل عينها المنهكة تفصيلًا صغيرًا يكون هو مفتاح التشخيص. اليوم، مع هذا الجهاز، اختلفت القصة. الآلة ترى ما لا تراه العين، تلتقط آلاف الصور، تحلل الأبعاد، تقيس التراكيز، وتُخرج تقريرًا لا يعرف التعب ولا الخطأ البشري.

أكد الدكتور الحرازي هذه الحقيقة بثقة العالم: "إن الفحوصات النوعية الناتجة عن هذا الجهاز ستعزز جودة التشخيص، وبالتالي إضافة جودة لنوعية العلاج، ويعزز الاكتشاف المبكر لأمراض الكلى."

في هذه الجملة يكمن الفارق بين الحياة والموت لمريض الكلى. فالاكتشاف المبكر يعني كل شيء: يعني غسيلًا أقل، يعني فرصة لإنقاذ الكلية قبل فوات الأوان، يعني حياة أطول وأفضل.

لماذا الكلى بالذات؟ حكاية معاناة يمنية صامتة

في اليمن، حيث الغبار والحرارة، وحيث الأمراض المزمنة تنهش الأجساد بصمت، أصبحت أمراض الكلى وباءً حقيقيًا. مرضى الفشل الكلوي يزدادون، جلسات الغسيل الكلوي تبتلع موازنات الصحة، وقبل كل هذا، كان التشخيص الدقيق تحديًا. جهاز فحص البول الآلي هذا ليس مجرد تقنية جديدة، إنه بارقة أمل لآلاف المرضى الذين قد تُكتشف أمراضهم مبكرًا قبل أن يصلوا إلى كرسي الغسيل.

كل خلية دم تظهر في البول، كل نسبة بروتين غير طبيعية، كل بلورة حمض يوريك، كلها إشارات كانت قد تغيب عن المجهر، لكن الجهاز الجديد سيُمسك بها من أول تحليل.

من "ماندلي" إلى صنعاء: رحلة جهاز عبر جدران الحصار

الجهاز من إنتاج شركة "ماندلي" العالمية المتخصصة، ووصل إلى أرض اليمن عبر شركة "ناتكو الرازي المحدودة"، في زمن يعرف الجميع صعوبة إدخال جهاز متطور إلى بلد تحاصره الظروف. إن وجود هذا الجهاز اليوم في مختبرات صنعاء المركزية ليس مجرد صفقة تجارية، بل هو تحدٍ لوجستي وإرادة إنسانية.

في الورشة، تناوب الأساتذة والاستشاريون على فحص الجهاز عن قرب، سألوا، ناقشوا، أبدوا ملاحظاتهم. لم تكن الورشة شكلية، بل كانت علمية بحتة، فيها روح البحث، وفيها ذلك الشغف الذي يميز الطبيب اليمني حين يلمس جديدًا قد يُخفف من أوجاب مرضاه.

الخاتمة: الجهاز الذي يرى المستقبل في قطرة بول

غادر الحضور القاعة، وبقيت الآلة صامتة في ركنها، تنتظر العينة الأولى. لكن في هذا الصمت، كانت رسالة مدوية: اليمن، رغم جراحه، ما زال يُدخل أول جهاز آلي لفحص البول، وما زال الأطباء يتحلقون حول العلم، وما زالت مختبرات الصحة المركزية تقاتل من أجل أن ينال المريض حقه في تشخيص دقيق وعلاج ناجع.

الجهاز الجديد ليس معجزة، لكنه في بلد تمرسه الأزمات، يصبح قريبًا منها. إنه عين جديدة تُضاف إلى عيون الأطباء، تنظر في قطرات البول فلا ترى فضلات، بل ترى حكايات كلى تتوسل النجدة مبكرًا. ومن اليوم، بفضل الله، ستُسمع هذه النجدة.

الصفحات