في فضاء التحديات المعقدة التي يمر بها اليمن، تبرز شخصيات إدارية استثنائية، ترفض منطق الجمود والاستسلام، وتحمل على عاتقها تحويل مؤسسات الدولة إلى قاطرات للإصلاح والتطوير. اللواء الدكتور بكيل البراشي، مدير عام الإدارة العامة للمرور، ليس مجرد قائد أمني تقليدي، بل هو مهندس نهضة مؤسسية و قائد مجتمعي استطاع بفكره المنهجي وإرادته الصلبة أن يحدث نقلة تحويلية في مفهوم وأداء شرطة المرور، محولاً إياها من جهاز رقابي إلى مؤسسة خدمية رقمية تسهم في تحقيق الأمن المجتمعي الشامل.
كتب: هلال جزيلان 775036841
حيث تلتقي الخبرة الأمنية بالرؤية الأكاديمية
يشكل المسار الوظيفي والعلمي للواء البراشي نسيجاً فريداً يفسر نجاحه
في قيادة تحول مؤسسي بهذا الحجم. فهو يجمع بين خبرة متراكمة في السلك الأمني، حيث شغل
مناصب قيادية متعدسة أتاحت له فهم أدق تفاصيل العمل الميداني، و بعد أكاديمي رصين يحمل
درجة الدكتوراه، مما زوده بأدوات التحليل العلمي والتخطيط الإستراتيجي. هذا المزيج
هو الذي مكنه من تشخيص علل المؤسسة بدقة، ووضع الحلول المنهجية، وتنفيذها بفعالية.
من شرطة رقابية إلى مؤسسة خدمية رقمية
يستند مشروع البراشي الإصلاحي إلى فلسفة واضحة: تحويل شرطة المرور من
جهاز "عقابي" يفرض المخالفات إلى شريك "خدمي" يحقق السلامة ويُسهل
الحياة. هذه الفلسفة تجسدت في مبادرات عملية غيرت طريقة تعامل المواطن مع المؤسسة:
الثورة الرقمية والذاتية: تم تدشين المنظومة الإلكترونية الشاملة التي
تشمل موقعاً إلكترونياً وتطبيقاً ذكياً، مما أتاح للمواطن إنهاء معظم معاملاته (الاستعلام
عن المخالفات، التسديد، تجديد الرخصة وكرت السيارة) وهو في بيته، متجاوزاً عقبات التنقل
وانتظار الطوابير. هذه الخطوة لم تكن تقنية فحسب، بل كانت رسالة ثقة واحترام للمواطن،
وتكريساً لمبدأ الشفافية المالية والإدارية.
توطين الخدمات في الجغرافيا اليمنية: إدراكاً لصعوبة تنقل المواطن من
المحافظات البعيدة، افتتح البراشي مراكز خدمات آلية متقدمة في محافظات مثل صعدة وريمة،
محققاً عدالة في توزيع الخدمات ورفع العبء عن كاهل المواطن الريفي.
التكامل المؤسسي الذكي: دشن مشروع الربط الشبكي بين وزارة النقل والإدارة
العامة للمرور، مما أنشأ قاعدة بيانات موحدة قللت من الثغرات والأخطاء، وحولت العمل
إلى نظام متكامل يسهل رصد المخالفات وتنظيم قطاع النقل البري.
مواجهة التحديات: نهج استباقي ذكي
يواجه البراشي مشاكل مركبة بمنهجية استباقية تقوم على الدراسة والحلول
الجذرية:
أزمة المرور في أمانة العاصمة: لم يكتفِ بالتعامل مع الأعراض، بل قاد
وضع خطة مرورية استراتيجية جديدة تتضمن إزالة المخالفات المرورية العشوائية، تنظيم
وقوف المركبات، وإجراء دراسات هندسية مفصلة لـ "النقاط السوداء" (بؤر الحوادث
والاختناقات) لوضع معالجات دائمة.
ظاهرة المركبات غير المرقمة: واجهت حملات الضبط المكثفة تحدي عشرات الآلاف
من الدراجات النارية والمركبات غير المرقمة. كانت النتائج مذهلة؛ فبعد حملة ضبط صارمة،
انخفضت حوادث الدراجات النارية في العاصمة صنعاء بنسبة قاربت 67% خلال أسبوع واحد فقط،
وهو إنجاز كمي ملموس ينقذ الأرواح يومياً.
الحفاظ على حقوق المواطن: في موقف أخلاقي وإداري بارز، وجه البراشي باتخاذ
إجراءات قانونية فورية ضد مندوبي الفرز المتورطين في الحصول على مبالغ مالية بشكل غير
قانوني من أصحاب الباصات. هذا الإجراء أكد أن الإصلاح الحقيقي يشمل محاربة الفساد الداخلي
وحماية المواطن من الاستغلال، حتى لو كان من داخل المنظومة.
القلب الإنساني: السياسات التي تلامس حياة الناس
يمتلك البراشي بعداً إنسانياً عميقاً يتجلى في سياساته، التي تضع الظروف
المعيشية الصعبة للمواطن اليمني في الحسبان:
مبادرات الإعفاء والتخفيف: بتنفيذ توجيهات القيادة، أشرف على مكرمة إعفاء
مالكي السيارات المتعثرة من الرسوم الجمركية والمرورية، والتي شملت 281 سيارة، في خطوة
تهدف إلى إعادة إدماج هذه الشريحة في النسيج الاقتصادي وتخفيف أعبائهم.
الاستماع الفعال والاستجابة السريعة: يحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع
المواطنين، ويستجيب شخصياً للشكاوى المطروحة عبر وسائل الإعلام أو التواصل المباشر،
مما يعزز الثقة ويحول المؤسسة إلى كيان قابل للحوار والمساءلة.
الانتقادات والتوازن الدقيق: بين فرض القانون ومراعاة الظرف
واجهت بعض قرارات البراشي الصارمة انتقادات من فئات مجتمعية، تكشف عن
التحدي الإداري الأكبر: تحقيق التوازن بين تطبيق القانون ومراعاة الظروف الاقتصادية
الاستثنائية:
أصحاب الباصات المتضررين: اشتكى بعضهم من أن إجراءات الترقيم الصارمة
أوقفت مصدر رزقهم فجأة، دون وجود حلول بديلة أو فترة سماح كافية للتكيف. دعوا إلى دراسة
الأثر الاجتماعي والاقتصادي للقرارات الأمنية قبل تنفيذها.
إشكالية خصم المرتبات: أثيرت مخاوف حول سياسة خصم نصف مرتبات بعض الأفراد،
مما يزيد من ضائقتهم المعيشية في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.
هذه الانتقاسات تذكر بأن أي قيادة إصلاحية، مهما كانت نواياها حسنة، يجب
أن تضع البعد الاجتماعي في قلب حسابتها، وتسعى لإيجاد حلول تدرجية وتشاركية تخفف الصدمة
على الفئات الهشة.
نموذج للقائد المؤسسي في زمن الأزمات
اللواء الدكتور بكيل البراشي يمثل نموذجاً يحتذى به للقائد المؤسسي في
الدولة اليمنية. لقد أثبت أن الإرادة الواعية والقدرة على الابتكار يمكن أن تحدث تحولاً
جذرياً حتى في أحلك الظروف. من خلال دمج التكنولوجيا في صلب الخدمة، و تبني مقاربة
مجتمعية إنسانية، و المواجهة الشجاعة للتحديات الداخلية والخارجية، لم ينجح فقط في
تحسين حركة المرور، بل ساهم في بناء ثقة متجددة بين المواطن ومؤسسة الدولة.
مسيرته تقدم درساً بليغاً: أن الإصلاح الحقيقي ليس مشروعاً فردياً، بل
هو عقد اجتماعي جديد تُبنى فيه المؤسسة على أسس الشفافية، والكفاءة، والخدمة، والرحمة.
التحديات كبيرة، لكن الأسس التي وضعها البراشي تبقى منارة لاستمرار مسيرة تطوير مؤسسة
مرورية عصرية تليق بالمواطن اليمني وتساهم في استقراره وأمنه المجتمعي الشامل.
